الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
106
نفحات الولاية
إلّا باللَّه العلي العظيم » والصلوات على محمد وآله ، فلما فعلوا سهل عليهم حمله . « 1 » وتشير كل هذه الكنايات إلى عظمة عرشه سبحانه ، أمّا ماهية العرش ، فهي من الأمور التي كثر البحث فيها بين العلماء ، ونرى أن الاستغراق في شرح هذا الأمر إنّما يبعدنا عن الهدف الأصلي ، ولذلك نكتفي بإشارة مختصرة إلى هذا الموضوع : فقد كان للملوك والسلاطين عرشان ، أحدهما منخفض يعتلونه في الأيام الاعتيادية ويسيرون شؤون الحكم ودفة أمور البلاد ، وآخر مرتفع يرتقونه في الأيام الخاصة والمرام المهمة والكبيرة . وقد اصطلحت الآداب العربية على الأول بالكرسي والثاني بالعرش ، وقد درجت هذه الآداب على التعبير بالعرش كناية عن القدرة والسلطة وإن افتقر العرش للدعامات المرتفعة ، كما هناك المعنى الكنائي الآخر الذي يشير إلى فقدان السلطة والذي جسدته العبارة المشهورة « ثل عرشه » . وللَّه هذان العرشان في الامرة والحكومة كونه سلطان عالم الوجود ( وبالطبع لما كان اللَّه ليس بجسم ولا في زمرة الجسمانيات فالمفهوم الكنائي هو المراد هنا من العرش والكرسي ) . على كل حال يبرز هذا السؤال : ما كنه هذا العرش الإلهي ؟ ومن التفاسير التي يمكن ايرادها بهذا الشأن هو أنّ عالم المادة والسماوات والأرضين والمنظومات والمجرات كلها بمثابة الكرسي وعرشه المنخفض كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم بقوله : « وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمواتِ وَالأَرْضَ » ، والمراد بالعرش هو العالم الكامن وراء عالم المادة ( المادة الكثيفة والغليظة ) ، التي لا تحيط بعالم المادة فحسب ، بل ليس عالم المادة أمامه سوى مقدار تافه لا أهمية له . امّا حملة العرش فمما لاشك فيه انهم ليسوا ملائكة غلاظ الهيكل وأقوياء الجسم والبنية بحيث يحملون على أكتافهم دعائم العرش الذي استوى عليه الرحمن ؛ لأنّ للعرش - كما أشرنا سابقاً - معنى كنائي والقرائن العقلية التي تفيد تنزه اللَّه عن الجسم والجسمانية إنّما تؤيد صحة هذا المعنى ، وعليه فحملة العرش ملائكة عظام ذوي مقامات رفيعة وليس لهم من شبيه أو نظير ولهم تدبير عالم ما وراء الطبيعة وتنفيذ أوامره سبحانه في كل مكان ، امّا التعبيرات
--> ( 1 ) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة 2 / 32 - 35 ، وقد أورد المرحوم العلّامة المجلسي الروايات المرتبطة بالعرش والكرسي في المجلد 55 من بحار الأنوار ، ومنها الروايات السابقة في ص 5 ، 17 و 55 .