الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

102

نفحات الولاية

في الأرضين السفلى أقدامهم والمارقة من السماء العيا أعناقهم والخارجة من الأقطار أركانهم والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم ناكسة « 1 » دونه أبصارهم متلفعون « 2 » تحته بأجنحتهم مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة » ثم يستغرق عليه السلام أكثر في التعرض لصفاتهم فيقول : « لا يتوهمون ربّهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين ولا يحدونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر » « 3 » . أجل فقدرتهم ليست قدرة جسمانية ، بل يتمتعون بقدرة روحانية خارقة متعذرة على الإنسان ، ومن هنا أوكلت لهم مهمّة حمل العرش . والواقع أنّهم بلغوا أعظم مقامات التوحيد بحيث أصبحوا قدوة في التوحيد لكافة عباد اللَّه ولا سيما أولياء اللَّه البارزين من الناس . فهم لا يرون من مثيل وشبيه ونظير للَّه قط ، كما لا يرون من حدود لذاته وصفاته سبحانه ، حتى أنّهم يرونه أعظم من الخيال والقياس والظن والوهم ؛ وذلك لأنّ كل ما يتصوره الإنسان أو الملك إنّما هو مخلوق للَّه‌واللَّه أعظم من أن يكون مخلوقاً . أمّا المراد بالعرش وحملة العرش وماهية وظائفهم والمفاهيم التي وردت في هذه العبارات ، فهذا ما سنتناوله في هذه الأبحاث . تأمّلات 1 - ماهية الملائكة ! هنالك عدّة أبحاث تضمنتها الآيات القرآنية بشأن الملائكة وصفاتهم وخصائصهم وأفعالهم والمهام المختلفة الموكلة إليهم . كما شحنت الروايات الإسلامية بالأخبار التي تتحدث عن الملائكة ومقاماتهم وصفاتهم وأعمالهم ، غير انّه لم يرد البحث في التحدث عن ماهيتهم ، ومن هنا كثر الكلام بين العلماء والمتكلمين بهذا الشأن . فيرى علماء الكلام ، بل أغلب علماء الإسلام أنّ الملائكة موجودات ذات أجسام لطيفة .

--> ( 1 ) « ناكسة » من مادة « نكس » على وزن عكس بمعنى الانقلاب رأساً على عقب ولذلك يطلق المنكوس على الوليد الذي يسقط على رجليه . ( 2 ) « متلفعون » من مادة « لفع » على وزن نفع بمعنى الاشتمال على الشيء والالتفاف به ، ومن هنا يقال للمرأة حين تلف عليها عباءها « تلفعت المرأة » . ( 3 ) « نظائر » جمع « نظير » بمعنى المثل .