الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

328

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

المرحلة الثانية : في أحكام المجتهد المتجزّي وقبل الورود فيها لابدّ من بحث موضوعي وهو إمكان التجزّي في الاجتهاد وعدمه ، وقد وقع الخلاف فيه بين الأصحاب ، فقال بعض بأنّه ممكن ، وقال بعض آخر بأنّه محال ، ولنا نظرة أخرى وهي أنّ الاجتهاد المطلق يستحيل عادةً تحقّقه في الخارج من دون العبور عن طريق الاجتهاد المتجزّي . واستدلّ القائلون بالاستحالة بأنّ الملكة من الكيفيات النفسانية وهي بسيطة لا تقبل القسمة والتجزّي . ويرد عليه : أنّ الملكة وإن لم تنقسم ولا تتجزّى ، لكنّها ذات مراتب متفاوتة باعتبار تفاوت متعلّقاتها من حيث الصعوبة والسهولة والكمال والنقص ، فهي حينئذٍ ملكات كثيرة بعدد المسائل الّتي وقعت متعلّقة للملكة ، وقد تحصل مرتبة ناقصة منها دون المرتبة الكاملة من دون تلازم بينهما في الوجود . ومن هذا القبيل ملكة الاجتهاد ، فإنّها كسائر الملكات تدريجيّة الحصول لا تصل إلى مرتبة أعلى إلّابعد العبور عن المرتبة الأدنى ، ولا تتحقّق ملكة الاجتهاد في المسائل المعقّدة المشكلة إلّابعد حصول القدرة على استنباط المسائل الساذجة ، كما أنّه كذلك في القدرة على الطبابة ، فإنّها تبتدأ من المعالجات البسيطة إلى مراحل معقّدة عميقة . بل قد يكون الاجتهاد المطلق في بعض العلوم الجديدة كالطبّ من المحالات ، فإنّ كلّ طبيب في زماننا هذا يمكن له أن يجتهد في مجال خاصّ من هذا العلم . إن قلت : قياس ملكة الاجتهاد في المسائل الفقهيّة بسائر الملكات قياس مع الفارق ، لأنّ مدارك الاستنباط وأصوله وقواعده في باب من الفقه متّحدة مع الأصول الجارية في أبواب اخر . قلت : إنّه كذلك ، ولكن يمكن التفكيك في المسائل الاصوليّة أيضاً من حيث الصعوبة والسهولة ، فيتطرّق التقسيم والتجزّي فيها ، ولا إشكال حينئذٍ في ورود