الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

329

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

التجزّي إلى المسائل الفقهيّة الّتي تنطبق عليها ، فمثلًا مسألة اجتماع الأمر والنهي من المسائل المشكلة في الأصول ، ومن لا يقدر على حلّها والاجتهاد فيها لا يقدر على حلّ ما يرتبط بها من الفروعات الفقهيّة في باب الصلاة والصوم والحجّ وغيرها . أضف إلى ذلك أنّ الإحاطة بعلم الأصول وحده لا تكفي لحصول ملكة الاجتهاد ، بل لابدّ من التمرين والممارسة ، ولا ريب في أنّ للممارسة مراحل مختلفة ودرجات متفاوتة ، وبحسبها يتجزّأ الاجتهاد في الفقه ، وهذا هو ما ذكرنا من أنّ الاجتهاد المطلق يستحيل عادةً من دون العبور عن الاجتهاد المتجزّي . إذا عرفت هذا فاعلم أنّه يبحث في أحكام المجتهد المتجزّي عن أمور ثلاثة : الأوّل : جواز عمل المجتهد المتجزّي برأيه لا ريب في وجوب تقليده لنفسه والعمل برأيه ، وحرمة تقليده لغيره فيما اجتهد فيه ؛ لأنّه لا إشكال في كونه مخاطباً لأدلّة الأمارات الشرعيّة والأصول العمليّة ، ولازمه أنّه إذا اجتهد واستنبط مثلًا في الحكم بتنجّس الماء القليل تمّت الحجّة عليه في خصوص هذه المسألة من دون الحاجة إلى شيء آخر . الثاني : جواز رجوع الغير إليه والتحقيق فيه أن يقال : يمكن له أن يجتهد في شيء معتدّ به من الأحكام ، بحيث يصدق عليه عنوان « نظر في حلالنا وحرامنا » « 1 » أو « شيئاً من

--> ( 1 ) . الذي ورد في مقبولة عمر بن حنظلة قال : سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة فيدين أو ميراث ، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة ، أيحلّ ذلك ؟ قال : « من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت ، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً ، وإن كان حقّاً ثابتاً له ، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت وما أمر اللَّه أن يكفر به ، قال اللَّه تعالى : « يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به » قلت : فكيف يصنعان ؟ قال : ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخفّ بحكم اللَّه وعلينا ردّ ، والرادّ علينا الرادّ على اللَّه ، وهو على حدّ الشرك باللَّه » . انظر : وسائل الشيعة ، ج 18 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 11 ، ح 1