الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
304
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
الثالث : أنّ الموضوع في جريان القرعة كون الشيء مشكلًا بقول مطلق ؛ أي واقعاً وظاهراً ، لا في الجملة ، ودليل الاستصحاب يرفع الشبهة فيكون وارداً على دليل القرعة ورافعاً لموضوعه ظاهراً ، وهذا يكفي لتقدّم الاستصحاب عليه . والحقّ عدم تمامية الوجه الأوّل والثاني : أمّا الأوّل فلأنّ دليل القرعة ليس عامّاً من أوّل الأمر ، لأنّ الإرتكاز العقلائي والمتشرّعي الموجود على اختصاصها بالشبهات الموضوعيّة يوجب انصرافها إلى الشبهات الموضوعيّة من أوّل الأمر ، فدليل القرعة أخصّ من دليل الاستصحاب بناء على القول بجريان الاستصحاب في الشبهات الموضوعيّة والحكميّة . وأمّا الثاني ، فيرد عليه : أنّ القرعة لم تخصّص في مورد فضلًا عن كونها موهونة بكثرة التخصيصات ؛ لأنّ موضوعها كلّ أمر مجهول ، وهو لا يعني كلّ أمر مشكوك ، بل إنّما هو بمعنى سدّ جميع الأبواب والطرق ، كما هو كذلك في مثل ولد الشبهة أو الغنم الموطوءة وغيرهما ممّا ورد في أحاديث الباب ، ففي مورد المثال الأوّل لا بيّنة تعيّن بها خصوص الموطوءة ، ولا استصحاب لعدم سبق الحالة السابقة ، ولا تجري أصالة الاحتياط للزوم الضرر العظيم بترك قطيع الغنم كلّها ، وفي مثال ولد الشبهة لا طريق لإحراز أمر الولد وتخيير القاضي مظنّة التشاحّ والتنازع ، فلا يبقى طريق إلّا القرعة . والحاصل : أنّ القرعة إنّما تجري في موارد لا يبقى طريق - من الأمارات والأصول - لحلّ المشكلة إلّاالقرعة ، فالصحيح في المقام هو الوجه الثالث ؛ من أنّ أدلّة الاستصحاب واردة على أدلّة القرعة لأنّ بها يرتفع المجهول موضوعاً ، كما أنّها كذلك بالنسبة إلى أدلّة سائر الأصول وجميع الأمارات والقواعد . ثمّ إنّ شيخنا الأعظم رحمه الله قد فرّق بين الأصول الشرعيّة كالاستصحاب وبين الأصول العقليّة ، فقال بورود الأصول الشرعيّة على القرعة خلافاً للُاصول العقليّة