الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
209
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
بيان المختار في المسألة والصحيح من بين الوجوه هو الوجه الرابع ، وهو التفصيل بين صورتي طروء الاضطرار بعد العلم الإجمالي وبين صورتي حصوله قبله ، والدليل عليه أنّ العلم الإجمالي إذا تعلّق بحكم فعلي على كلّ حال يكون مؤثّراً بلا شبهة ، ففي ما إذا حصل الاضطرار قبل العلم الإجمالي فحيث إنّا نحتمل تعلّقه بالنجس الواقعي في مثال الإناءين المعلومة نجاسة أحدهما فلا إشكال في أنّ شكّنا في نجاسة غير المضطرّ إليه بدوي يكون المرجع فيه أصالة البراءة سواء كان الاضطرار إلى أحدهما المعيّن أو إلى أحدهما غير المعيّن . إن قلت : إنّ الاضطرار إلى أحدهما غير المعيّن يجتمع مع التكليف الواقعي ولا مزاحمة بينهما لإمكان رفع الاضطرار بغير متعلّق التكليف مع قطع النظر عن العلم والجهل الطارئ ، بل لولا الجهل بنفس متعلّق التكليف لكان يتعيّن رفع الاضطرار بغيره فالاضطرار إلى غير المعيّن قبل العلم بالتكليف كلا اضطرار لا يوجب التصرّف في الواقع ولا يصادم متعلّق التكليف ولا تقع المزاحمة بينهما « 1 » . قلت : إنّ رفع الاضطرار بالإناء الطاهر واقعاً يتوقّف على العلم بالنجس الواقعي بعينه حتّى يمكن الجمع بين « اجتنب عن النجس » و « رفع ما اضطرّوا إليه » ، وهذا خارج عن محلّ البحث ؛ لأنّ محلّ البحث هو ما إذا كان الواقع مجهولًا واحتمل انطباق ما يختاره على النجس الواقعي ، وحينئذٍ لا علم لنا بما يكون فعلياً على كلّ تقدير ، بل المعلوم هو ما يكون فعلياً على تقدير عدم تعلّق الاختيار بالنجس الواقعي وغير فعلي على تقدير تعلّق الاختيار بما هو طاهر واقعاً ، وتكون النتيجة حينئذٍ عدم العلم بحكم فعلي على كلّ تقدير ، فيصير المورد مجرى أصالة البراءة والحلّية . هذا كلّه إذا طرأ الاضطرار قبل العلم الإجمالي ، وأمّا إذا حصل بعده فيجب
--> ( 1 ) . فوائد الأصول ، ج 4 ، ص 98 و 99