الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
87
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
أهل الخبرة لوجود تفاسير مختلفة لأهل الذكر في كلمات المفسّرين ، فبعضهم فسّره بأهل القرآن والمفسّرين ؛ لأنّ من أسامي القرآن « الذكر » كما ورد في قوله تعالى : « وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ » « 1 » ، وبعضهم فسّره بأهل الكتاب من علماء اليهود والنصارى ، والمقصود من السؤال منهم حينئذٍ هو السؤال عن علائم النبوّة الموجودة في التوراة والإنجيل ، وثالث فسّره بأهل العلم بأخبار الماضين ، ورابع فسّره بالأئمّة عليهم السلام لأنّ من أسامي الرسول أيضاً « الذكر » كما ورد في قوله تعالى : « قَدْ أَنزَلَ اللَّه إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا » « 2 » وقد أُيّد هذا التفسير بروايات وردت في هذا المعنى وأنّ أهل الذكر هم الأئمّة عليهم السلام « 3 » . لكن الصحيح أنّ المراد منه أهل العلم عامّة وأنّ كلّ واحد من هذه الاحتمالات بيان لمصداق من المصاديق وتفسير للآية بالمصداق كما هو المتداول في كثير من كتب التفسير والأخبار ، وذلك باعتبار أنّ الذكر في اللغة بمعنى العلم مطلقاً من دون تقيّد وخصوصيّة ، ويشهد له ملاحظة موارد استعمال هذه المادّة ومشتقّاتها في القرآن الكريم كقوله تعالى : « لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ » فيكون المراد من كلمة « الأهل » كلّ من كان عالماً وخبيراً في موضوع من الموضوعات ومسألة من المسائل ، ولا وجه لتخصيصه بمصداق دون مصداق . وعليه يكون الاستدلال بهذه الآية في باب التقليد أولى ممّا نحن فيه . لكن المحقّق الخراساني رحمه الله حاول الجواب عن هذا الإشكال بأنّ مثل زرارة ومحمّد بن مسلم وغيرهما من أجلّاء الرواة كانوا من أهل العلم ، فيجب قبول روايتهم ، وإذا وجب قبول روايتهم وجب قبول رواية من ليس من أهل العلم بالإجماع المركّب « 4 » .
--> ( 1 ) . سورة الأنبياء ، الآية 50 ( 2 ) . سورة الطلاق ، الآيتان 10 و 11 ( 3 ) . انظر : تفسير نور الثقلين ، ج 3 ، ص 55 - 59 ( 4 ) . كفاية الأصول ، ص 300