الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

51

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

وقد ذكر القرطبي من أهل السنّة في تفسيره : « لا خلاف بين الامّة ولا بين أئمّة أهل السنّة ، أنّ القرآن اسم لكلام اللَّه تعالى الذي جاء به محمّد صلى الله عليه وآله معجزة له ، وأنّه محفوظ في الصدور ، مقروء بالألسنة ، مكتوب في المصاحف ، مبرّأة من الزيادة عليه أو النقصان » « 1 » . وقال الرافعي : « ذهب جماعة من أهل الكلام ممّن لا صناعة لهم إلّاالظنّ والتأويل واستخراج الأساليب الجدليّة من كلّ حكم وكلّ قول إلى جواز أن يكون قد سقط من القرآن شيء » « 2 » . والحاصل : أنّ جمهور العلماء من الفريقين على بطلان دعوى التحريف ، ولا يقول به إلّاالشاذّ الذي لا يعتنى بشأنه من كلتا الطائفتين . الثاني : أدلّة القائلين بعدم التحريف إستدلّ القائلون بعدم تحريف القرآن بوجوه : الوجه الأوّل : شدّة اهتمام النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله بحفظ القرآن وقراءته وجمعه ، وإهتمام المسلمين بذلك ويوجد عليها قرائن كثيرة : منها : قصّة كتّاب الوحي وإهتمام النّبي صلى الله عليه وآله بكتابة القرآن ، وقد نقل أنّه كان عنده لهذه المهمّة كتّاب كثيرون ، والروايات في عددهم مختلفة من أربعة عشر كاتباً إلى ثلاثة وأربعين « 3 » ، وهذا يوجب عادةً أن يكون القرآن مجموعاً على عهده صلى الله عليه وآله ، مصوناً عن الزيادة والنقصان . ومنها : روايات صرّح فيها بأنّ القرآن قد جمع على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله « 4 » ومن

--> ( 1 ) . الجامع لأحكام القرآن ، ج 1 ، ص 80 ( 2 ) . إعجاز القرآن ، ص 41 ( 3 ) . السيرة الحلبية ، ج 3 ، ص 422 ؛ تاريخ القرآن لأبي عبداللَّه الزنجاني ، ص 42 ( 4 ) . قيل إنّ القرآن جمع على عهد أبي بكر ، وقيل على عهد عمر ، وجماعة كثيرة يقولون بأنّه جمع في زمن‌عثمان ، والحقّ أنّه جمع على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ولم يقبض رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إلّابعد أن جمع تمامه ، وأمّا عثمان فهو إنّما نظّم القراءات المختلفة وجمع المسلمين على قراءة واحدة وهي القراءة الّتي كانت مشهورة بين المسلمين الّتي تلقّوها عن النّبي صلى الله عليه وآله ومنع عن القراءات الأخرى المبتنية على أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف ، حيث إنّ اختلاف القراءات لم يكن مقصوراً على مجرّد اختلاف الإعراب والحركات بل يعمّ التغيير لبعض الكلمات أيضاً كما روي أنّ عمر كان يقرأ في سورة الجمعة : « فامضوا » بدلًا عن قوله تعالى : « واسعوا » . ونسبة الجمع إلى أبي بكر وعمر فلعلّها نشأ من حرص بعض الناس على تكثير مناقب الشيخين ، وإلّا فلا دليل يعتدّ به عليه . وقد قال السيّد المرتضى رحمه الله : « إنّ القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتّى عيّن على جماعة من الصحابة في حفظهم له وإنّه كان يعرض على النّبي صلى الله عليه وآله ويتلى عليه ، وإنّ جماعة من الصحابة مثل عبداللَّه بن مسعود وابيّ بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النّبي صلى الله عليه وآله عدّة ختمات وكلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتور ولا مبثوث » . وما ورد في الروايات من أنّ عليّاً عليه السلام لزم بيته بعد وفاة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ولم يخرج من بيته حتّى جمع القرآن مع تنزيله وتأويله والناسخ منه والمنسوخ ، فهو بحسب الواقع جمع لتفسير القرآن الكريم ، ويشهد لذلك عدّة من الروايات ، لا أنّه كان فيه زيادة على هذه الآيات الموجودة أو تغيير . ولزيادة التوضيح راجع كتابنا « أنوار الأصول » ج 2 ، ص 318 - 320