الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

294

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

العاصميّة ، إذا لم تتحقّق قبلها علّة أخرى مثل كون الماء جارياً ، وأمّا إذا كانت العلّة منحصرة فمعناه أنّ هذا الشرط يؤثّر في الجزاء مطلقاً سواء حصل قبله وصف الجريان أم لا ، فلا حاجة حينئذٍ إلى التقييد ، فإذا كان المتكلّم في مقام البيان ولم يأت بهذا القيد - أي عدم تحقّق علّة أخرى فيما قبل - كان المستفاد من الإطلاق انحصار العلّة في الشرط « 1 » . ويرد عليه أوّلًا : أنّ غاية ما يستفاد من القضيّة الشرطيّة إنّما هو مطلق التلازم بين الشرط والجزاء لا خصوص التلازم الموجود بين العلّة والمعلول . وثانياً : سلّمنا كون المستفاد من الجملة الشرطيّة هو العلّية ، لكنّها تكون على حدّ العلّية الاقتضائية لا الفعلية ، أي يستفاد من قوله عليه السلام : « الماء إذا بلغ قدر كرّ لم ينجّسه شيء » إمكان أن تكون الكرّية علّة لعدم التنجّس والعاصمية ، لا أنّها علّة لها فعلًا ودائماً حتّى ينافي حصول علّة أخرى من قبل . المختار في المسألة هو التفصيل لا شكّ في دلالة القضيّة الشرطيّة على انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط في الجملة بالتبادر والوجدان ، وإلّا لو كان الحكم ثابتاً على أي تقدير لاستلزم كون تعليقه على الشرط لغواً . إذا عرفت هذا فاعلم : أنّه لا شكّ في دلالة القضيّة الشرطيّة على المفهوم والعلّية المنحصرة فيما إذا كان الشرط من ضدّين لا ثالث لهما ، نحو « المخبر إن كان فاسقاً فتبيّن » حيث إنّه لا يتصوّر بالنسبة إلى المخبر حالة أخرى غير الفسق والعدالة فلا ثالث لهما فيه ، فإنّ مقتضى دلالة القضيّة الشرطيّة على الانتفاء عند الانتفاء في الجملة دلالتها على المفهوم في هذه الصورة كما لا يخفى . ونظير المثال المزبور قولك : « الإنسان إن كان مسافرا فعليه القصر » أو « إن كان

--> ( 1 ) . انظر : مطارح الأنظار ، ص 170 ؛ كفاية الأصول ، ص 196