الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
291
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
وبعبارة أخرى : الحكم هنا مركّب من صغرى وكبرى ، والصغرى وهو قوله : « لأنّه مسكر » مذكور في الكلام ، وأمّا الكبرى وهو قوله : « كلّ مسكر حرام » فحذفت لوضوحها ، فهي مقدّره في الكلام ، والمقدّر كالمذكور ، ولذلك سمّي هذا القسم بمنصوص العلّة ، يعني الحكم الذي نصّ بعلّته . وأمّا في مثال « فَلا تَقُلْ لَهُمَا افّ » أو « إنّ جاءك زيد فأكرمه » فلم يقل أحد بحذف قضية « لا تضربهما » أو قضية « إن لم يجئك زيد فلا يجب إكرامه » أو تقديرهما ، بل يقال بأنّ القضيتين المنطوقتين تدلّان عليهما بالمفهوم . الوجه الثاني : أنّ تقسيم المساواة إلى منصوص العلّة ومستنبط العلّة أيضاً تامّ فيما إذا قلنا بحجّية مستنبط العلّة ، مع أنّه ليس بحجّة عند الإماميّة ، لعدم إمكان استنباط ملاكات الأحكام وعللها ، وما أبعد عقول الرجال عن دين اللَّه . إن قلت : فما معنى تنقيح المناط وإلغاء الخصوصية في المسائل الفقهيّة ، كما إذا قيل مثلًا : إن سافرت بين مكّة والمدينة ثمانية فراسخ فقصّر ، ونحن نعلم بأنّه لا خصوصية لمكّة والمدينة ، ونلغي خصوصيتهما ونحكم بوجوب القصر في سائر الأمكنة إذا تحقّق مقدار ثمانية فراسخ ، فما الفرق بين هذا وقياس مستنبط العلّة ؟ قلت : يكون النظر في القياس المستنبط العلّة إلى علّة الحكم ، بينما هو في تنقيح المناط يكون إلى موضوع الحكم ، والفرق بين الموضوع والعلّة واضح حيث إنّ الموضوع هو عنوان مشتمل على جميع ما له دخل في تنجّز التكليف وفعليّته كعنوان المستطيع في وجوب الحجّ ، وأمّا العلّة فإنّها داخلة في سلسلة المبادئ والأغراض . مضافاً إلى أنّ إلغاء الخصوصية وتنقيح المناط طريق إلى تعيين دائرة المنطوق وتوسعتها ولا ربط له بالمفهوم ، فإذا تعدّينا من مورد دليل إلى مورد آخر بالإلغاء أو التنقيح وأثبتنا الحكم الثابت في مورد ذلك الدليل لمورد آخر ، تعدّ دلالة الدليل حينئذٍ من قبيل المنطوق لا المفهوم .