الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

208

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

المعنوي ؟ وفي مثل هذه الموارد لابدّ من الرجوع إلى اللّغة والتبادر : وقد ذكر اللغويون لمادّة الأمر أصلين : الأوّل : الشيء ، كما أشير إليه في بعض الكلمات « 1 » ، فإنّه يقال : « هذا أمر لا يعبأ به » أي هذا شيء لا يعبأ به . والثاني : أنّه ضدّ النهي ، كما قال به في لسان العرب « 2 » ، وأمّا الطلب فهو أعمّ من الأمر لشموله الطلب النفساني أيضاً ، كقولك « اطلب ضالّتي » مع أنّه لا يمكن وضع الأمر موضعه فلا يقال : « آمر ضالّتي » . فالأمر مشترك لفظي بين المعنيين من دون أن يكون قدر جامع بينهما حتّى يصير مشتركاً معنوياً ، والدليل على عدم الجامع بينهما قول أرباب اللّغة وقد صرّح غير واحد منهم من أنّ الأوّل يجمع على فواعل « أوامر » ويكون مصدراً ومبدءً للاشتقاق والثاني يجمع على فعول « أمور » ولا يشتقّ منه شيء « 3 » . والتبادر أيضاً مساعد لما مرّ عن أهل اللغة ، فإنّ المتبادر من قولك « جئت لهذا الأمر » أو « رأيت اليوم أمراً عجيباً » إنّما هو الشيء ولا يمكن تأويلها إلى الطلب لوجود التباين بينهما . ومن هنا يظهر وقوع الخلط بين المفهوم والمصداق بالنسبة إلى سائر المعاني وأنّها ترجع في الواقع إلى هذين المعنيين كالمعنى الثالث وهو الفعل ، فإنّ الأمر في قوله تعالى : « وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ » ليس بمعنى الفعل ، بل إنّه عبارة عن أوامر فرعون وأحكامه فينطبق على المعنى الأوّل ، وهكذا المعنى الرابع ، فإنّ الأمر في قوله تعالى : « فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا » أيضاً بمعنى الأمر التكويني للَّه‌تعالى بالعذاب نظير

--> ( 1 ) . انظر : أقرب الموارد ، ج 1 ، ص 18 ؛ المنجد ، ص 18 ( 2 ) . لسان العرب ، ج 4 ، ص 26 ( 3 ) . الصحاح ، ج 2 ، ص 580 - 581 ؛ لسان العرب ، ج 4 ، ص 27 ؛ وانظر أيضاً : تاج العروس ، ج 6 ، ص 32