الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

163

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

ويلاحظ عليه : إنّه مخالف لما يتبادر من الحروف إلى الذهن عند استعمالها ، وقياسه بالإعراب قياس مع الفارق ، لأنّه يتبادر من كلمة « في » مثلًا في جملة « زيد في الدار » معنى خاصّ كالظرفيّة ، ولا يتبادر شيء من علامة الرفع في « زيدٌ » في تلك الجملة . الثاني : ما ذهب إليه المحقّق الخراساني رحمه الله وهو عكس الأوّل ، وحاصله عدم الفرق بين الحروف والأسماء في كون معاني كليهما استقلاليّة ، فلا فرق بين « من » مثلًا وكلمة « الابتداء » في دلالة كليهما على الابتداء ، وعدم إمكان استعمال أحدهما في موضع الآخر ناش من شرط الواضع لا إنّه مأخوذ في الموضوع له ، فإنّ الواضع اعتبر لزوم استعمال « من » فيما إذا لم يكن معنى الابتداء ملحوظاً استقلالياً وشرط في كلمة « الابتداء » استعمالها فيما إذا لم يكن المعنى آليّاً « 1 » . ويلاحظ عليه : أنّ هذا الشرط لا يوجب إلزاماً لغيره من المستعملين ، فإنّ الذي يجب قبوله من الواضع إنّما هو ما يكون في دائرة الوضع ، فإن كان هناك شيء خارج عنها وكان الموضوع له مطلقاً بالنسبة إليه فلا مانع حينئذٍ في استعمال تلك اللّفظة على نحو عامّ . الثالث : ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله من أنّ معاني الحروف كلّها إيجادية يوجد بها الربط بين أجزاء الكلام ، فإنّ « من » في « سرت من البصرة إلى الكوفة » مثلًا توجد الربط بين كلمتي « البصرة » و « سرت » . « 2 » وظاهر كلامه إنّها ليست حاكيات عن معانيها بل وضعت لإنشائها ، فإنّ « في » مثلًا لا تحكي عن الظرفيّة بل توجدها في قولك « زيد في الدار » . وفيه : أنّه لا معنى لإيجاد النسبة بلفظ لا معنى له ولا يدلّ على مفهوم ، فإن لم يكن لكلمة « في » مثلًا معنى الظرفيّة ، فلا يمكن إيجادها بها في الكلام ، فاللازم

--> ( 1 ) . كفاية الأصول ، ص 12 ( 2 ) . فوائد الأصول ، ج 1 ، ص 39