الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
164
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
دلالة الحروف أوّلًا على معنى وحكايتها عنه ، ثمّ إيجاد النسبة الكلاميّة بها في ضوء تلك الحكاية ، مع أنّه لو كانت معاني الحروف إيجاديّة فلا سبيل للصدق والكذب إليها ، كما هو كذلك في جميع الإنشائيّات فلا معنى لكون قضية « زيد في الدار » صادقة أو كاذبة . الرابع : ما أفاده سيدنا الأستاذ المحقّق الخوئي رحمه الله ، وملخّصه : « إنّ الحروف بأجمعها وضعت لتضييقات المعاني الاسمية وتقييداتها بقيود خارجة عن حقائقها ، ومع ذلك لا نظر لها إلى النسب الخارجيّة ، بل التضييق إنّما هو في عالم المفهوميّة . توضيح ذلك : إنّ كلّ مفهوم اسمي له سعة وإطلاق بالإضافة إلى الحصص الّتي تحته سواء كان الإطلاق بالقياس إلى الخصوصيّات المنوّعة أو المصنّفة أو المشخّصة أو بالقياس إلى حالات شخص واحد ، ومن الضروري أنّ غرض المتكلّم كما يتعلّق بإفادة المفهوم على إطلاقه وسعته كذلك قد يتعلّق بإفادة حصّة خاصّة منه كما في قولك « الصلاة في المسجد حكمها كذا » ، وحيث إنّ حصص المعنى الواحد فضلًا عن المعاني الكثيرة غير متناهيّة ، فلابدّ للواضع الحكيم من وضع ما يوجب تخصيص المعنى وتقييده عند الحاجة إليه ، وليس ذلك إلّا بسبب الحروف والهيئات وبذلك يظهر أنّ إيجاد الحروف لمعانيها إنّما هو باعتبار حدوث الضيق في مرحلة الإثبات والدلالة ، وإلّا كان المفهوم متّصفاً بالإطلاق والسعة وأمّا باعتبار مقام الثبوت فالكاشف عن تعلّق القصد بإفادة المعنى المضيّق إنّما هو الحروف » « 1 » . ولكن يلاحظ عليه أوّلًا : إنّ هناك قسماً ثالثاً من الحروف لا يجري فيه شيء ممّا ذكره ، كالحروف العاطفة فإنّها ليست إنشائيّة كما أنّها ليست لبيان الحصص الخاصّة من المعاني الإسميّة وغيرها . وثانياً : إنّ التضييق لا يخلو من أحد أمرين : إمّا أن يكون من طريق الحكاية والدلالة على الخارج أو بدونها ، فإن لم يكن مع الدلالة فلا معنى له ، وإن كان مع
--> ( 1 ) . راجع أجود التقريرات ، ص 18 و 19 ، الهامش