الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

113

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

« أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » بعد سنين ، فإن قلنا بالتخصيص كانت النتيجة عدم وجوب الوفاء بالبيع الغرري ، وإن قلنا بأنّ العامّ يكون ناسخاً للخاصّ كانت النتيجة وجوب الوفاء حتّى في البيع الغرري . وقد ذهب المشهور إلى تقديم التخصيص على النسخ مطلقاً ، مستدلّا بأنّ النسخ قليل والتخصيص كثير حتّى يقال : « ما من عامّ إلّاوقد خصّ » فيوجب شيوع التخصيص وندرة النسخ أن يكون ظهور الخاصّ في الدوام أقوى من ظهور العامّ في العموم « 1 » . ولكن مال إلى تقديم النسخ المحقّق الخراساني رحمه الله خلافاً لما ذهب إليه في مبحث العامّ والخاصّ ، وهو ضعيف . « 2 » وتحقيق المسألة يستدعي تحليل ماهية النسخ والصحيح فيه أن يقال : إنّ النسخ إبطال للإنشاء السابق ، كالفسخ في المعاملات . توضيح ذلك : إنّ للحكم مرحلتين : مرحلة الإنشاء ومرحلة الفعليّة ، أي : مرحلة الإرادة الاستعماليّة ومرحلة الإرادة الجدّية ، والتقييد بالمنفصل إنّما هو تصرّف في الإرادة الجدّية وهكذا التخصيص ، وأمّا الإرادة الإستعماليّة فهي باقية بحالها بخلاف النسخ ، فإنّه إبطال للإنشاء من حين وروده نظير الفسخ فإنّ الفاسخ يبطل إنشاء البيع حين الفسخ ، وهذا ممّا ندركه بوجداننا العرفي وإرتكازنا العقلائي في القوانين العقلائيّة ، فكما أنّ فيها تخصيصات وتقييدات تندرج تحت عنوان « التبصرة » وهي تمسّ بإرادتهم الجدّية في القوانين السابقة ، كذلك لهم نواسخ تتعلّق بإرادتهم الإستعماليّة بالنسبة إلى القوانين الماضية . وبالجملة ، إنّ النسخ هو فسخ الإنشاء - إلّاأنّ النسخ في القانون والفسخ في العقود - فلا يكون من قبيل التقييد الذي يتعلّق بالإرادة الجدّية .

--> ( 1 ) . قوانين الأصول ، ج 1 ، ص 313 ؛ هداية المسترشدين ، ج 1 ، ص 315 ؛ فرائد الأصول ، ج 4 ، ص 99 ( 2 ) . انظر : كفاية الأصول ، ص 237 و 450 - 451