الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
114
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
هذا مضافاً إلى أنّ الإنشاء في القوانين كالإيجاد ، فيكون بذاته باقياً في عالم الاعتبار إلى الأبد ، فدوامه واستمراره لازم لذاته وماهيّته ، لا أنّ بقاءه يستفاد من الإطلاق اللفظي لأدلّته حتّى نتكلّم عن تقييده وعدمه . فالحقّ ما ذهب إليه المشهور وهو تقديم التخصيص على النسخ ؛ لأنّ النسخ يحتاج إلى دليل قطعي بخلاف التخصيص الذي يثبت حتّى بخبر الثقة . هذا ، مضافاً إلى أنّ سيرة الفقهاء في الفقه على تقديم التخصيص كما يشهد عليها عدم السؤال والفحص عن تاريخ صدور العامّ والخاصّ ، فإنّ النسخ لابدّ فيه من الفحص عن التاريخ حتّى يتبيّن المقدّم منهما والمتأخّر فيكون المتأخّر ناسخاً والمتقدّم منسوخاً ، فعدم فحصهم عن تواريخ صدور الأحاديث من أقوى الدليل على ترجيحهم التخصيص على النسخ . بقي شيء لا شكّ في أنّه بعد ملاحظة العمومات والتخصيصات الواردة في الكتاب والسنّة نرى مخصّصات وردت بعد حضور العمل بالعمومات ، فورد مثلًا عامّ في الكتاب أو السنّة النبويّة مع أنّ خاصّه ورد في عصر الصادقين عليهما السلام ، فإن قلنا بكونه مخصّصاً للعامّ يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وإن قلنا بكونه ناسخاً يلزم كون الإمام عليه السلام مشرّعاً ، مع أنّه حافظ للشريعة ، ولو قبلنا إمكان تشريعه ونسخه بعد توجيهه بإرادة كشف ما بيّنه النّبي صلى الله عليه وآله عن غاية الحكم الأوّل وابتداء الحكم الثاني لم يمكن قبوله هنا ، لأنّ غلبة هذا النحو من التخصيصات تأبى عن هذا التوجيه ، وإلّا كثر النسخ جدّاً . وقد ذكر لحلّ هذه المشكلة وجوه : الأوّل : أن يكون الخاصّ ناسخاً ، ونزل في عصر النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله ولكنّه لم تكن مصلحة في إظهاره عندئذٍ ، فأودع أمر إبرازه بيد الأئمّة عليهم السلام فهم يبيّنون غاية الحكم