الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

20

سر الوجود

إنّهم نظروا إلى جلال الحق سبحانه فذابوا في عبوديته ليتحرروا من أغلال وقيود ما سواه ، عظم ذلك الوجود المطلق في نفوسهم فصغر ما دونه في أعينهم ومن هنا فإنّ أرواحهم لا تستشعر أي قلق واضطراب اثر فقدانهم لبعض الأشياء ، وإنّهم وبإتكالهم على قدرة اللَّه هبوا بكل شجاعة لمواجهة صعاب الحياة الدنيا ومشاكلها ، وقد وهبهم هذا الإيمان قوّة الأعصاب وضاعف من قدرتهم وطاقتهم بما جعلهم يتغلبون على كافّة الشدائد ، لقد رأوا أنفسهم متصلة بالأبدية ، واعتقدوا أنّها نبعت من هناك وستعود إلى هناك ولذلك ليس لديهم مفهوم للفناء والعدم الذي يؤرق فكر الإنسان ويعبث بأعصابه . نعم إنّ قطرة ماء وسط صحراء محرقة تزول سريعاً ، بينما ستستمر في وجودها إن كانت متصلة بالبحر حيث تكتسب صبغة الأبدية . إنّهم يرون الموت نافذة يطلون منها على عالم جديد ، عالم أوسع وألذ وأشد حيوية وأعظم نوراً من هذا العالم الذي نعيش فيه ، ويمثّل مرحلة أكمل من هذه الحياة الدنيا ، ومن هنا فهم لم يروا الموت قط ، بتلك الصورة المرعبة التي تقشعر لها الأبدان ، وقد أصبحت هذه الأفكار جزءً من وجودهم فقد آمنوا بها بكل كيانهم وجوارحهم . إلّا أنّ كل تلك الأمور كانت لا تعني لي أكثر من سراب فقد كنت حديث العهد بهذه المفردات .