الشيخ محمد رضا النعماني

44

الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار

العاشرة أو الحادية عشرة من العمر وجد نفسه - دخل الأسرة - بين نزعتين متخالفتين تتجاذبانه نحو منحيين متغايرين في التخطيط لمستقبله ، فمن جانب كانت والدته تحثه على الدراسة في الحوزة واختيار حياة الطلبة ، ومن جانب آخر كان المرحوم السيد محمد الصدر ( 1 ) يرغبه في مستقبل يضمن فيه سعادة دنياه والعيش في رفاه ودعة بعيدا عن حياة الحوزة وما يكتنفها من فقر وفاقة . أما السيد الشهيد فقد وقف موقفا عمليا حسم به ذلك التجاذب وأشعر تلك الأطراف التي تقاطعت رغباتها بمستقبله بواقع ما يطمح إليه ، فقد أضرب تقريبا عن الطعام من دون إعلان ، واكتفى من الطعام بقطعة صغيرة من الخبز يسد بها رمقه طوال الليل والنهار . بعد أيام أحس الجميع - بالإضراب الهادئ فسألوه عن السبب فقال : إن الذي يستطيع أن يعيش على قطعة صغيرة من الخبز أياما عديدة لهو قادر على أن يستمر إلى آخر العمر كذلك ، فأنا لا أخشى من الفقر ولا أخاف من الجوع . واستطاع ان يقنع الجميع بصوب رأيه بالالتحاق بالحوزة العلمية والانخراط في صفوف ورثة الأنبياء رغم ما قد يواجهه من صعوبة الحياة وجدب العيش فيها ، وأثبت أن إرادته في اختيار هذا الطريق إرادة لا يزعزعها شئ . وقد حدثني ( رضوان الله عليه ) عن هذه المرحلة من حياته فقال : ( إن المرحوم السيد محمد الصدر رئيس وزراء العراق آنذاك - كان يصطحبني معه إلى مزرعته خارج بغداد على ظهر جواد له ، فكان يمنّيني بمنصب كبير في الدولة وبحياة ناعمة مرفهة إن أنا واصلت دراستي في المدارس الحكوميّة ، فقلت له : إن حياة الحوزة والدراسة فيها هي خياري الوحيد ، وإن قناعتي في ذلك تامة رغم حاجتي للمال . ) ( 1 ) كان رئيساً للوزراء ولمجلس النواب في الحكومات المتعاقبة في العراق .