الشيخ محمد رضا النعماني

43

الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار

تدع إلا القليل ، فكانت ترقب وليدها وتدفع عنه النوائب التي حرمتها من أشقاء له في سالف الأيام ، والخوف والقلق يشوب الأمل في نفسها ، وكانت تقول : ( ما كان يعيش لي من الأولاد إلا القليل ) فقد كانت تجربتها - كأم - قاسية جدا لكثرة من فقدت من أولاد . ولكن شاء الله عز وجل أن يحرس ابنها العبقري بعينه ويذخره لخدمة رسالة جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، كما شاء تعالى أن يذوق شهيدنا العظيم اليتم منذ سني حياته الأولى ، فلم يتمتع بعاطفة أبيه وحبه ، ولم يذق من طعم حنانه إلا سنوات قليلة . ورافق الحرمان العاطفي فقر وضنك في العيش ليزيد من عملية صقل الوليد الفريد ، ويرقى بتربيته وإعداده إلى أفضل ما يمكن ، ولعل تلك سنة الله تعالى فيمن يختارهم لحمل أعباء رسالته : ( ألم يجدك يتيما فآوى . . . . ووجدك عائلا فأغنى ) . وقد سألته ( رضوان الله عليه ) عما إذا كان يتذكر والده السيد حيدر الصدر فقال : ليس في ذاكرتي شيء عنه إلا صورة غير واضحة ، وأنا بحكم من لم ير أباه . لقد أثرت هذه الظروف على شخصية السيد الشهيد تأثيرا إيجابيا ، خلافا لما قد يتصور من أن اشتداد المحن وصعوبة الظروف تترك آثارا سلبية في نفس الإنسان ، فلا اليتم ولا الفقر حالا بينه وبين أن يشق طريقة نحو الهدف الذي كان يسعى إليه ، فتجاوز كل الصعاب التي واجهته وهو في أهم وأخطر مرحلة من مراحل البناء والتكامل . ومما لا شك فيه أن لوالدته ولأخيه الأكبر المرحوم آية الله السيد إسماعيل الصدر رحمهما الله دورا كبيرا في تخفيف وطأة المحنة التي تشتد قسوتها عادة على من هو في مثل هذا العمر ، إلا أن من المؤكد أن المقومات الشخصية التي تمتع بها كانت أقوى من آلام اليتم ومصاعب الفقر ومشاكل الحياة الأخرى ، مما جعل آل الصدر يترقبون له مستقبلا مشرقا . فبالإضافة إلى قدرته على تجاوز تلك الصعاب ، كانت علامات الذكاء والعبقرية تثير إعجابهم رغم صغره . ومما يروى في هذا المجال أن السيد الشهيد ( رضوان الله عليه ) حينما بلغ