السيد عبد الله الجزائري
24
التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية
الحكمة والاعتدال في القوة الفكرية إلى إفراط الجربزة وجحود ما تستيقن به نفسه وخلط الباطل بالحق إلى غير ذلك من الذمائم تقويا بذلك على ما هي بصدره من الفوز بالغلبة وإدراك لذة الظفر فيقسو قلبه عن قبول الحق إلى أن يعود كالسباع التي همها في الاعتداء ولذتها في الضراوة على من اعترضها وذلك من أقوى الأسباب في البعد عن اللَّه عز وجل والحرمان عن نور الهداية لأنه من أشد امراض القلوب وفي الحديث ( الكافي - التوحيد ) لا تخاصموا الناس لدينكم فإن المخاصمة ممرضة للقلب . على أنه لا بد ان يعترض المتكلم في فنه الشكوك والشبه وربما يتشبث بذهنه شيء منها إذ الشبهة قد تكون جلية والجواب عنها دقيقا يقصر عن إدراكه فيخرج إلى الشك من اليقين وينسل من الدين انسلال الشعرة من العجين وعن أمير المؤمنين عليه السلم من طلب الدين بالجدل تزندق . وفي حديث أخر الخصومة تمحق الدين وتحبط العمل وتورث الشك . وانما رخص في التكلم لضرورة دفع شبه المعاندين كما في حديث ( الكافي ) الشامي الذي جاء إلى أبى عبد اللَّه عليه السلام وقال إني رجل صاحب كلام وفقه وفرائض وقد جئت لمناظرة أصحابك فكلمه أبو عبد اللَّه عليه السلم ثم التفت إلى يونس بن يعقوب وقال يا يونس لو كنت تحسن الكلام كلمته فقال يونس فيا لها من حسرة فقلت جعلت فداك انى سمعتك تنهى عن الكلام وتقول ويل لأصحاب الكلام يقولون هذا ينقاد وهذا لا ينقاد وهذا ينساق وهذا لا ينساق وهذا نعقله وهذا لا نعقله فقال أبو عبد اللَّه عليه السلم انما قلت ويل لهم ان تركوا ما أقول وذهبوا إلى ما يريدون ثم قال اخرج إلى الباب فانظر من ترى من المتكلمين فأدخله قال فأدخلت حمران بن أعين والأحول وهشام بن سالم وقيس الماصر وكان عندي أحسنهم كلاما وكان قد تعلم الكلام من على ابن الحسين عليهما السلم فلما استقر بنا المجلس ورد هشام بن الحكم وهو أول ما اختطت لجبته فوسع له أبو عبد اللَّه عليه السلم وقال ناصرنا بقلبه ولسانه ويده ثم قال يا حمران كلم الرجل فكلمه فظهر عليه حمران ثم قال يا طاقي كلمه فكلمه فظهر عليه الأحول ثم قال يا هشام بن سالم كلمه فتعاوقا ثم قال لقيس الماصر كلمه فكلمه فاقبل أبو عبد اللَّه عليه السلام يضحك من كلامهما مما قد أصاب الشامي فقال للشامي كلم هذا الغلام يعنى هشام بن الحكم فكلمه فقطعه واستبصر الشامي ثم التفت أبو عبد اللَّه عليه السلم إلى حمران فقال تجري الكلام على الأثر فتصيب والتفت إلى هشام بن سالم فقال تريد الأثر ولا تعرفه ثم التفت إلى الأحول