السيد عبد الله الجزائري

196

التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية

قوله صلى اللَّه عليه وآله يا أبا ذر ليكن لك في كل شيء نية حتى في الأكل والنوم . وفي كلمات بعض المشايخ ليكن لك في كل حركة بركة إشارة إلى أن النية تؤثر في المباح وتلحقه بالعبادة وربما تفضله على محضها فالترفه للملول في جزء من الزمان بنومة أو دعابة مباحة لرد نشاط الطبيعة وإقبال القلب على الصلاة في الجزء التالي أفضل منها في ذلك الجزء مع الملال ومن ثم وردت الرخصة في ترك النوافل والاقتصار على الفرائض عند ادبار القلوب وتأخير الصلاة عن أول وقتها من المكروهات المنصوصة ويندب إليه إذا قصد به الوصول إلى المسجد أو فضيلة الجماعة أو الطهارة المائية كما يأتي في محله وروى ( ا ) ان زكريا عليه السلام كان يعمل في حائط بالطين وكان أجير القوم فقدموا اليه رغيفين إذ كان لا يأكل الا من كسب يده فدخل عليه قوم فلم يدعهم إلى الطعام حتى فرغ منه فتعجبوا منه لما علموا من سخائه وزهده فقال إني اعمل لقوم بأجرة وقدموا إلى الرغيفين لا تقوى بهما على عملهم فلو أكلتم معي لم يكفكم ولم يكفني وضعفت عن عملهم . وكما يؤثر خيرها في المباح فيخرجه إلى الطاعة كذلك يؤثر شرها فيه بل وفي الطاعة أيضا فيخرجهما إلى المعصية فالمباح الذي يجعله النية معصية كالتطيب للتفاخر بإظهار الثروة على غير وجه التحديث بالنعمة والتزين للزنا والطاعة كالعمل المرئي به فإن فإن نية الرئاء تلحقه بالمعاصي ولا تؤثر النية في الحرام بإخراجه إلى قسيميه كما فيهما فلا يباح شرب الخمر لموافقة الاخوان ولا الزنا لإجابة التماس المراود ولو توارد على بعض افراده قصود فاسده تضاعف وزره وعظم وباله كما لو قتل أحدا ليتمكن من غصب ماله والزنا بزوجته والفطن إذا أتقن هذه الجملة التفت منه إلى أن تصميم القصد إلى ماله صورة خارجة من المعاصي كالزنا وشرب الخمر من المعاصي كما هو ظاهر قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . وفي تتمة الحديث السابق نية الكافر شر من عمله . وفي حديث الرضا عليه السلام مع المأمون والمعصوم لا يهم بذنب ولا يأتيه . وهو الذي صرح به أمين الإسلام في تفسير قوله تعالى إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ . قال القول فيما يخطر بالبال من المعاصي ان اللّه سبحانه لا يؤاخذ به وانما يؤاخذ بما يعزم عليه الإنسان ويعقد قلبه مع إمكان التحفظ عنه فيصير من أفعال القلب فيجازيه به كما يجازيه بأفعال الجوارح وانما يجازيه جزاء العزم لا جزاء عين تلك المعصية لأنه لم يباشرها وهذا بخلاف العزم على الطاعة فإن العازم على فعل الطاعة يجازى على عزمه وذلك جزاء تلك الطاعة كما جاء في الاخبار