السيد عبد الله الجزائري
186
التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية
وذلك يمنعه من مبادرة العمل أبدا فإنه يرى لنفسه متسعا في تلك السنة فيكسل ويؤخر العمل ومن آفاته أيضا الحرص وحب المال كما سلف في باب حب الخمولة ونسيان الآخرة كما في ( الكافي ) حديث أمير المؤمنين عليه السلام إنما أخاف عليكم اثنتين اتباع الهوى وطول الأمل أما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق واما طول الأمل فإنه ينسى الآخرة والقسوة ففي الحديث ( الكافي ) فيما ناجى اللَّه عز وجل به موسى يا موسى لا تطول في الدنيا أملك فيقسو قلبك والقاسي القلب منى بعيد . وسببه القريب حب الدنيا فان المحب المتصل بمحبوبه مشتغل القلب بوصاله والتمتع به عن الالتفات إلى فراقه وزواله ولا يزال يقرر في نفسه لوازم الوصال من دار وأهل ومال وخوادم ودواب والات ومرافق وأسباب فيصير عاكفا على هذا الفكر فيلهو عن الموت وذكره فان خطر له في بعض الأحوال عول على شبابه أو قوة مزاجه وصحة بدنه أو سول له الشيطان ان الأيام بين يديك فتقضي وطرك من بناء هذه الدار ثم تتفرغ للآخرة أو من عمارة هذه الضيعة وتدبير هذا الولد وجهازه ونحو ذلك والأصل فيه الجهل بالحقائق وان الدنيا خسيسة لا تليق المحبة والاشتغال بهنا عن الآخرة وعلاجه علاجهما وذلك بالنظر في حقيقة الدنيا ومحابها الوهمية التي أعظم حظوظ طالبيها الحسرة الدائمة كما مر في الأبواب السابقة وذكر احتمال فجاة الموت وان الشباب لا يصلح للتعويل فان مشايخ البلد لو عدوا لكانوا أقل من عشر أهلها وانما قلوا لان الموت في الشبان أكثر وكذا صحة المزاج وقوة البدن فان موت الفجأة يفشو غالبا في الأمزجة القوية والموت ليس له وقت مخصوص من شيب أو شباب أو قوة أو ضعف وكثيرا ما يتفق بالأسباب البادية من الهدم والغرق والسم والسبع والعدو ونحوها مما إذا التفت اليه العاقل لم يزايل هم الموت فكره ولم ينس ذكره فذكره مع استقرابه يوجب التأهب له كما ذكر في مثال الغائب المنتظر والتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود وعن أبي عبد اللَّه عليه السلام ذكر الموت يميت الشهوات في النفس ويقلع منابت الغفلة ويقوى القلب بمواعد اللَّه ويرق الطبع ويكسر اعلام الهوى ويطفئ نار الحرص ويحقر الدنيا . الحديث وحقه ان يذكر الموت رغبة إلى لقائه تعالى كما هو شأن العارفين المشتاقين إلى الخلاص من الدنيا والنظر إلى وجه اللَّه وهو من أعلى الوجوه التي يذكر عليها الموت ودونه ان يذكر بعثا للخوف الموجب سرعة التدارك له كما هو شأن التائبين المنساقين بصوت الخوف إلى الوفاء بتمام التوبة و