السيد عبد الله الجزائري
10
التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية
السعادة الباقية والعيشة الراضية [ 1 ] واما ما يؤخذ من الشرع فينقسم أيضا بالتقسيم المذكور إلى العبادات والمناكحات والمعاملات والسياسات الشرعية والعلم بها هو المختص باسم الفقه في عرف الآخرين فصا وعلم الأحكام الشرعية التي هي خطابات الشارع أو مدلولاتها المتعلقة بأفعال المكلفين من أقسام الحكمة العملية وعطفها عليها فيما سيأتي من قبيل عطف جبريل وميكال على الملائكة والعقل وان كان مما يستقل بإدراك بعض كلياتها ومجملاتها مثل حسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار ووجوب رد الأمانة وحرمة الغصب الا ان تفاصيلها وحدودها لا تكاد تعرف الا من جهة الشرع ولا مدخل لعقولنا وارائنا فيها بوجه من الوجوه فهذا بيان الحكمة وشرح ماهيتها بجزئيها العلم والعمل والحكيم الكامل هو المستجمع لهما الراسخ علمه بالعمل وهو العالم الصغير المنطوي فيه ما في العالم الأكبر والكتاب المبين الذي بآياته يظهر المضمر والأدم الذي خمر اللَّه طينته بيده أربعين صباحا أو عاما وخلقه على صورته واسجد له ملائكته تعظيما له وإكراما وهو الإنسان المطلق الموجود بما هو انسان دون ان يكون موجودا بما هو حيوان لتحققه ظاهرا وباطنا بخاصية الإنسانية التي بها يمتاز عن سائر الممكنات ومن عداه إنسان في الظاهر حيوان في الباطن بحسب الخلق الغالب عليه وفي كلام أهل البيت صلوات اللَّه عليهم إشارات جلية إلى ذلك [ 2 ]
--> [ 1 ] روى المصنف في كتاب عين اليقين مرسلا ان بعض اليهود اجتاز بمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وهو يتكلم مع جماعة فقال له يا ابن أبي طالب لو أنك تعلمت الفلسفة لكان يكون منك شأن من الشأن فقال عليه السلم وما تعنى بالفلسفة ا ليس من اعتدلت طباعه صفا مزاجه ومن صفا مزاجه قوى اثر النفس فيه ومن قوى اثر النفس فيه سما إلى ما يرتقيه ومن سما إلى ما يرتقيه فقد تخلق بأخلاق النفسانية ومن تخلق بالأخلاق النفسانية فقد صار موجودا بما هو انسان دون ان يكون موجودا بما حيوان فقد دخل في الباب الملكي الصوري وليس له عن هذه الغاية معبر فقال اليهودي اللَّه أكبر يا ابن أبي طالب لقد نطقت بالفلسفة جميعها في هذه الكلمات رضى اللَّه عنك منه قدس سره [ 2 ] في تفسير العسكري عليه السلام قال علي بن الحسين عليه السلام وهو واقف بعرفات لمحمد بن شهاب الزهري كم تقدر هيهنا من الناس قال قدر أربعمائة ألف خمسمائة ألف كلهم حجاج قصدوا اللَّه بآمالهم ويدعونه بضجيج أصواتهم فقال يا زهري ادن لي وجهك فأدناه اليه فمسخ بيده وجهه ثم قال انظر فنظر إلى الناس قال الزهري رأيت أولئك الخلق كلهم قردة لا أرى فيهم إنسانا إلا في كل عشرة الان أحد من الناس ثم قال ادن يا زهري فدنوت منه فمسح بيده وجهي ثم قال انظر فنظرت إلى الناس قال لزهرى فرأيت أولئك كلهم ذئبة الا تلك الخصائص من الناس نفر يسير فقلت بأبي أنت وأمي يا ابن رسول اللّه قد دهشتنى آياتك وحيرتني عجائبك قال يا زهري وما الحجيج من هؤلاء إلا النفر اليسير الذي رايتهم من هذا الخلق ابحم الغفير ثم قال امسح يدك على وجهك ففعلت فعاد أولئك الخلق في عيني ناسا كما كانوا أولا الحديث منه رحمة اللّه ورضوانه عليه