السيد عبد الله الجزائري

6

التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية

تعالى وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وقوله سبحانه أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وقول أمير المؤمنين ع ( الكافي - نهج البلاغة ) إن أخوف ما أخاف عليكم اثنان اتباع الهوى وطول الأمل . ولأجل هذا التشديد العظيم الواقع في أمر البدع والأهواء حسن تشبيهها بالظلمات أو ذواتها لجامع السببة في الضلال عن السبيل المقيم والجار في قوله عن صراطه المستقيم متعلق بفعل الإيلاج كما في الفقرة الأولى والصراط المستقيم هو حاق الحق والعدل المطلق وذلك ان النفس الإنسانية واقعة في جميع أحوالها بين رذائل متخالفة متعاقدة واقعة على طرفي الزيادة والنقصان وذمائم بينها كمال التنافي حاصله على حدي الإفراط والتفريط كلما تباعد الإنسان من أحدهما تقارب إلى الآخر ولا يتخلص منها الا بالاقتصاد التام وملازمة الوسط الحقيقي الذي هو غاية البعد عن الطرفين نهاية الانفكاك الممكن عنهما ففي اعمال القوة الشهوية يكون ملازما للعفة التي هي التوسط بين إفراط الفجور وتفريط الخمود وفي القوة الغضبية للشجاعة المتوسطة بين التهور والجبن وفي القوة الفكرية للحكمة المتوسطة بين الجربزة والبلاهة والمراد بها هنا ما يقارب المفطنة وحسن الانتقال من المبادي إلى الغايات وهذه هي أصول الفضائل المحصلة للعدالة الظاهرة فالعفيف لا فاجر ولا خامد والشجاع لا متهور ولا جبان والحكيم لا جربز ولا إبله وهكذا يختار التوسط والأمر بين الأمرين في سائر الأخلاق والأعمال المنشعبة عن الأصول المذكورة وغيرها ففي المعاشرة التواضع المتوسط بين التكبر والتخسس والبشاشة بين التزمت والدعابة والحلم بين الطيش والمهانة والمروة بين الانفة والدناءة وفي الاكتساب السعي الجميل بين الحرص والكسل وفي المعيشة التقدير بين التبذير والتقتير وفي البذل السخاوة بين الإسراف والبخل وفي الأكل والشرب والنوم والكلام وغير ذلك لا يخرج عن الاعتدال والاقتصاد حتى في العبادة يكون ملازما للرفق خارجا عن مرتبة الإضاعة غير بالغ حدا لا يغال الذي هو الإكثار منها بحيث يعقب الملال وانتهاك البدن ومن ثم كره صوم الدهر بل وفي مودة ذي القربى يكون مقتصدا ومقتصرا على مرتبة الولاية متجاوزا عن تفريط النصب متقاصرا عن إفراط الغلو والتفويض فهذه هي الطريقة المثلي الموصلة إلى الرفيق الأعلى وفي الحديث ( معاني الأخبار ) الصراط المستقيم في الدنيا ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير واستقام وفي الآخرة طريق المؤمنين إلى الجنة . وفي حديث أخر الصراط أدق من الشعر واحد من السيف . وذلك لان