العاملي
58
الانتصار
فإن دماءكم أموالكم وأعراضكم بينكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا . في بلدكم هذا . ألا لا يجنى جان إلا على نفسه . ولا يجنى والد على ولده ، ولا مولود على والده . ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبدا . ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم ، فيرضى بها . . . ألا يا أمتاه هل بلغت ؟ ثلاث مرات . قالوا : نعم . قال : اللهم اشهد . ثلاث مرات ) . ونحوه في سنن الترمذي : 3 / 313 ، وقال : هذا حديث حسن صحيح ورواه أيضاً في السنن الكبرى : 2 / 445 . وقال في تحفة الأحوذي : 6 / 315 : ( قال الطيبي رحمه الله قوله فيما تحتقرون ، أي مما يتهجس في خواطركم وتتفوهون عن هناتكم وصغائر ذنوبكم ، فيؤدي ذلك إلى هيج الفتن والحروب ، كقوله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان قد يئس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم ) . انتهى . وفي ذلك إلفات نبوي إلى قاعدة مهمة في السلوك الفردي والاجتماعي ، وهي أن الانحراف يبدأ بأمر صغير ، أو أمور تبدو بسيطة يحتقرها الإنسان ولا يراها مهمة في ميزان التقوى . . وإذا بها تستتبع أموراً أخرى ، وتجره إلى هاوية الهلاك الأخروي أو الدنيوي ! وهو أمر مشاهد في حالات الهلاك الفردي والاجتماعي . . فقد يتسامح المسلم في النظر إلى امرأة أجنبية تعجبه ، ثم يتسامح في الحديث معها ، ثم في التصرف . . حتى ينجر أمره إلى الفاحشة ! وقد يتسامح في اتخاذ صديق سوء ، ولا ينصت إلى صوت ضميره الديني ، ولا نصح ناصحيه . . حتى يغرق معه في بحر ظلمه للناس ، أو بحر رذيلته !