العاملي
504
الانتصار
أما أن معاوية أراد نبش قبر علي فلا نظن ذلك بمعاوية ، فنحن عندنا روايات على الضد مما تقول ، وإن كنا نقول إن الحق مع علي ، وإنه أفضل من معاوية ، منها ما رواه أبو نعيم في الحلية ( 1 / 84 - 8 ) أن رجلا من أصحاب علي ومحبيه وهو ضرار بن ضمرة الكناني دخل مجلس معاوية وهو يعلم حبه لعلي ونصرته له فيستنطقه معاوية ليسمع منه وصفا لعلي وتعدادا لفضائله فقال له : صف لي عليا ، فقال : أو تعفيني با أمير المؤمنين قال : لا أعفيك ، قال : أما إذ لا بد فإنه كان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلم ، كان والله غزير العبرة طويل الفكرة ، يقلب كفه ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما جشب ، كان والله كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه ، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له ، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظم أهل الدين ، ويحب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله . فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه يميل في محرابه قابضا على لحيته يتملل تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ، فكأني أسمعه الآن وهو يقول : يا ربنا يا ربنا - يتضرع إليه - ثم يقول للدنيا : إلي تعرضت ، إلي تشوفت ، هيهات هيهات ، غري غيري ، قد بتتك ثلاثا فعمرك قصير ، ومجلسك حقير ، وخطرك يسير . . آه من قلة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق ! ! فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها ، وجعل ينشفها بكمه وقد اختنق القوم بالبكاء ، فقال : كذا