الجصاص

88

أحكام القرآن

فاسد ، لأنه لو كان ما ذكره علة لنفي التصديق لوجب أن لا يصدق القاضي إذا قال لليتيم قد دفعته إليك ، لأنه لم يأتمنه . وكذلك يلزمه أن يقول في الأب إذا قال بعد بلوغ الصغير : " قد دفعت إليك مالك " أن لا يصدقه لأنه لم يأتمنه ، ويلزمه أيضا أن يوجب عليهم الضمان إذا تصادقوا بعد البلوغ أنه قد هلك ، لأنه أمسك ماله من غير ائتمان له عليه . وأما تشبيهه إياه بالوكيل بدفع المال إلى غيره فتشبيه بعيد ، ومع ذلك فلا فرق بينهما من الوجه الذي صدقنا فيه الوصي ، لأن الوكيل مصدق أيضا في براءة نفسه غير مصدق في إيجاب الضمان ودفعه إلى غيره ، وإنما لم يقبل قوله على المأمور بالدفع إليه ، فأما في براءة نفسه فهو مصدق كما صدقنا الوصي على الرد بعد البلوغ . وأيضا فإن الوصي في معنى من يتصرف على اليتيم بإذنه ، ألا ترى أنه يجوز تصرفه عليه في البيع والشرى كجواز تصرف أبيه ؟ فإذا كان إمساك الوصي المال بائتمان الأب له عليه وإذن الأب جائز على الصغير صار كأنه ممسك له بعد البلوغ بإذنه ، فلا فرق بينه وبين المودع . وقوله تعالى : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) الآية . قال أبو بكر : قد انتظمت هذه الجملة عموما ومجملا ، فأما العموم فقوله : " للرجال وللنساء " وقوله تعالى : ( مما ترك الوالدان والأقربون ) ، فلذلك عموم في إيجاب الميراث للرجال والنساء من الوالدين والأقربين ، فدل من هذه الجهة على إثبات مواريث ذوي الأرحام ، لأن أحدا لا يمتنع أن يقول إن العمات والخالات والأخوال وأولاد البنات من الأقربين ، فوجب بظاهر الآية إثبات ميراثهم . إلا أنه لما كان قوله : ( نصيب ) مجملا غير مذكور المقدار في الآية امتنع استعمال حكمه إلا بورود بيان من غيره . إلا أن الاحتجاج بظاهر الآية في إثبات ميراث ما لذوي الأرحام سائغ ، وهذا مثل قوله تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة ) [ التوبة : 103 ] ، وقوله تعالى : ( أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ) [ البقرة : 267 ] ، وقوله تعالى : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) [ الانعام : 141 ] عطفا على ما قدم ذكره من الزرع والثمرة . فهذه ألفاظ قد اشتملت على العموم والمجمل ، فلا يمنع ما فيها من الاجمال من الاحتجاج بعمومها متى اختلفنا فيما انتظمه لفظ العموم ، وهو أصناف الأموال الموجب فيها ، وإن لم يصح الاحتجاج بما فيها من المجمل عند اختلافنا في المقدار الواجب ، كذلك متى اختلفنا في الورثة المستحقين للميراث ساغ الاحتجاج بعموم قوله تعالى : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) الآية ، ومتى اختلفنا في المقدار الواجب لكل واحد منهم احتجنا في إثباته إلى بيان من غيره . فإن قيل : لما قال : ( نصيبا مفروضا ) ولم يكن لذوي الأرحام نصيب مفروض