الجصاص

89

أحكام القرآن

علمنا أنهم لم يدخلوا في مراد الآية . قيل له : ما ذكرت لا يخرجهم من حكمها وكونهم مرادين بها ، لأن الذي يجب لذوي الأرحام عند موجبي مواريثهم هو نصيب مفروض لكل واحد منهم ، وهو معلوم مقدر كأنصباء ذوي السهام لا فرق بينهما من هذا الوجه ، وإنما أبان الله تعالى أن لكل واحد من الرجال والنساء نصيبا مفروضا غير مذكور المقدار في الآية ، لأنه مؤذن ببيان وتقدير معلوم له يرد في التالي فكما ورد البيان في نصيب الوالدين والأولاد وذوي السهام بعضها بنص التنزيل وبعضها بنص السنة وبعضها بإجماع الأمة وبعضها بالقياس والنظر ، كذلك قد ورد بيان أنصباء ذوي الأرحام بعضها بالسنة وبعضها بدليل الكتاب وبعضها باتفاق الأمة من حيث أوجبت الآية لذوي الأرحام أنصباء ، فلم يجز اسقاط عمومها فيهم ووجب توريثهم بها . ثم إذا استحقوا الميراث بها كان المستحق من النصيب المفروض على ما ذهب إليه القائلون بتوريث ذوي الأرحام فيهم ، فهم وإن كانوا مختلفين في بعضها فقد اتفقوا في البعض ، وما اختلفوا فيه لم يخل من دليل لله تعالى يدل على حكم فيه . فإن قيل : قد روي عن قتادة وابن جريج أن الآية نزلت على سبب ، وهو أن أهل الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الإناث فنزلت الآية ، وقال غيرهما : إن العرب كانت لا تورث إلا من طاعن بالرمح وزاد عن الحريم والمال ، فأنزل الله تعالى هذه الآية إبطالا لحكمهم ، فلا يصح اعتبار عمومها في غير ما وردت فيه . قيل له : هذا غلط من وجوه ، أحدها : أن السبب الذي ذكرت غير مقصور على الأولاد وذوي السهام من القرابات الذين بين الله حكمهم في غيرها ، وإنما السبب أنهم كانوا يورثون الذكور دون الإناث ، وجائز أن يكونوا قد كانوا يورثون ذوي الأرحام من الرجال دون الإناث ، فليس فيما ذكرت إذا دليل على أن السبب كان توريث الأولاد ومن ذكرهم الله تعالى من ذوي السهام في آية المواريث . ومن جهة أخرى أنها لو نزلت على سبب خاص لم يوجب ذلك تخصيص عموم اللفظ ، بل الحكم للعموم دون السبب عندنا ، فنزولها على سبب ونزولها مبتدأة من غير سبب سواء . وأيضا فإن الله قد ذكر مع الأولاد غيرهم من الأقربين في قوله تعالى : ( مما ترك الوالدان والأقربون ) ، فعلمنا أنه لم يرد به ميراث الأولاد دون سائر الأقربين . ويحتج بهذه الآية في توريث الإخوة والأخوات مع الجد كنحو احتجاجنا بها في توريث ذوي الأرحام . وقوله تعالى : ( نصيبا مفروضا ) يعني والله أعلم : معلوما مقدرا . ويقال إن أصل الفرض الحز في القداح علامة لها يميز بينها ، والفرضة العلامة في قسم الماء يعرف بها كل ذي حق نصيبه من الشرب ، فإذا كان أصل الفرض هذا ثم نقل إلى المقادير المعلومة