الجصاص

617

أحكام القرآن

الموضع وإنما المراد بذلك العزيمة والتصميم عليه ، قال تعالى : ( ثم أدبر واستكبر ) [ المدثر : 23 ] لم يرد به الذهاب إلى الموضع ، وإنما أراد التولي عن الحق والإصرار عليه . وما روي عن الصحابة في الحلف عند المنبر وبين الركن والمقام فإنما كان ذلك لأنه كان ينفق الحكومة هناك ولا ينكر أن تكون اليمين هناك أغلظ ، ولكنه ليس بواجب لقوله عليه السلام : " اليمين على المدعي عليه " ولم يخصصها بمكان ، ولكن الحاكم إن رأى تغليظ اليمين باستحلافه عند المنبر إن كان بالمدينة ، وفي المسجد الحرام إن كان بمكة ، جاز له ذلك كما أمر الله تعالى باستحلاف هذين الوصيين بعد صلاة العصر ، لأن كثيرا من الكفار يعظمونه ، ووقت غروب الشمس . فصل قد تضمنت هذه الآية الدلالة على جواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض ، وذلك لأنها قد اقتضت جواز شهادتهم على المسلمين وهي على أهل الذمة أجوز ، فقد دلت الآية على جواز شهادتهم على أهل الذمة في الوصية في السفر ، ولما نسخ منها جوازها على المسلمين بقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ) [ البقرة : 282 ] إلى قوله : ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) [ البقرة : 282 ] نفي بذلك جواز شهادة أهل الذمة عليهم ، ونسخ بذلك قوله : ( أو آخران من غيركم ) وبقي حكم دلالتها في جوازها على أهل الذمة في الوصية في السفر . وإذا كان حكمها باقيا في جوازها على أهل الذمة في الوصية في السفر اقتضى ذلك جوازها عليهم في سائر الحقوق ، لان كل من يجيزها على أهل الذمة في الوصية في السفر ومنع جوازها على المسلمين في ذلك أجازها على أهل الذمة في سائر الحقوق . فإن قال قائل : فإن ابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي يجيزون شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر على ما روي عن أبي موسى وشريح ، ولا يجيزونها على الذمي في سائر الحقوق . قيل له : قد بينا أنها منسوخة على المسلمين باقية على أهل الذمة في سائر الحقوق . وقبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وإن اختلفت مللهم قول أصحابنا وعثمان البتي والثوري ، وقال ابن أبي ليلى والأوزاعي والحسن وصالح والليث : " تجوز شهادة أهل كل ملة بعضهم على بعض ولا تجوز على ملة غيرها " . وقال مالك والشافعي : " لا تجوز شهادة أهل الكفر بعضهم على بعض " . وما ذكرنا من دلالة الآية يقتضي تساوي شهادات أهل الملل بقوله تعالى : ( أو آخران من غيركم ) يعني غير المؤمنين المبدوء بذكرهم ، ولم تفرق بين الملل . ومن حيث اقتضت جواز شهادة أهل