الجصاص

618

أحكام القرآن

الملل على وصية المسلم في السفر ، وهي دالة أيضا على جواز شهادتهم على الكفار في ذلك مع اختلاف مللهم . ومما يوجب جواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض من جهة السنة ، ما روى مالك عن نافع عن ابن عمر : " أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا أن رجلا وامرأة منهم زنيا ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما " . وروى الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازب قال : مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم ، فقال : " ما شأن هذا ؟ " فقالوا : زنى ، فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروى جابر عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه اليهود برجل وامرأة زنيا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ائتوني بأربعة منكم يشهدون ! " فشهد أربعة منهم ، فرجمهما النبي صلى الله عليه وسلم . وعن الشعبي قال : " يجوز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض " ، وعن شريح وعمر بن عبد العزيز والزهري مثله . وقال ابن وهب : خالف مالك معلميه في رد شهادة النصارى بعضهم على بعض ، وكان ابن شهاب ويحيى بن سعيد وربيعة يجيزونها . وقال ابن أبي عمران من أصحابنا : سمعت يحيى بن أكثم يقول : جمعت هذا الباب فما وجدت عن أحد من المتقدمين رد شهادة النصارى بعضهم على بعض إلا من ربيعة ، فإني وجدت عنه ردها ووجدت عنه إجازتها . قال أبو بكر : قد ذكرنا حكم الآية على الوجوه التي رويت فيها عن السلف وما نسخ منها وما هو منها ثابت الحكم ، فلنذكر الآية على سياقها مع بيان حكمها على ما اقتضاه ترتيبها على السبب الذي نزلت فيه ، فنقول وبالله التوفيق : إن قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ) يعتوره معنيان ، أحدهما : شهادة بينكم شهادة اثنين ذوي عدل منكم ، فحذف ذكر الشهادة الثانية لعلم المخاطبين بالمراد ، ويحتمل : عليكم شهادة بينكم ، فهو أمر بإشهاد اثنين ذوي عدل ، كقوله تعالى في الدين : ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) [ البقرة : 282 ] فأفاد الأمر بإشهاد شاهدين عدلين من المسلمين أو آخرين من غير المسلمين على وصية المسلم في السفر . وكان نزولها على السبب الذي تقدم من ذكره من رواية ابن عباس في قصة تميم الداري وعدي بن بداء ، فذكر بعض السبب في الآية ثم قال : ( إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ) فجعل شرط قبول شهادة الذميين على الوصية أن تكون في حال السفر . وقوله : ( حين الوصية ) قد تضمن أن يكون الشاهدان هما الوصيين ، لأن الموصى أوصى إلى ذميين ، ثم جاءا فشهدا بوصية ، فضمن ذلك جواز شهادة الوصيين على وصية الميت . ثم قال : ( فأصابتكم مصيبة الموت ) يعني قصة الميت الموصى . قال : ( تحبسونهما من بعد الصلاة ) يعني لما اتهمهما الورثة في حبس شئ من مال الميت وأخذه ، على ما رواه عكرمة في قصة