الجصاص
592
أحكام القرآن
النعم ) معلوم أن فيه ضمير إرادة المحرم ، فمعناه : " من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا " إن أراد الهدي ، والطعام إن أراد الطعام ، فليس هو إذا تفسيرا للمثل ، كما أن الطعام والصيام ليسا تفسيرا للمثل المذكور . فإن قيل : روي عن جماعة من الصحابة أنهم حكموا في النعامة ببدنة ، ومعلوم أن القيم تختلف ، وقد أطلقوا القول في ذلك من غير اعتبار الصيد في زيادة القيمة ونقصانها . قيل له : فما تقول أنت ، هل توجب في كل نعامة بدنة من غير اعتبار الصيد في ارتفاع قيمته وانخفاضها فتوجب في أدنى النعام بدنة رفيعة وتوجب في أرفع النعام بدنة وضيعة ؟ فإن قيل : لا ، وإنما أوجب بدنة على قدر النعامة ، فإن كانت رفيعة فبدنة رفيعة وإن كانت وضيعة فبدنة على قدرها ، قيل له : فقد خالفت الصحابة ، لأنهم لم يسألوا عن حال الصيد ولم يفرقوا بين الرفيعة منها والدنية فاعتبرت خلاف ما اعتبروا . فإن قيل : هذا محمول على أنهم حكموا بالبدنة على حسب حال النعامة وإن لم يذكروا ذلك ولم ينقله الراوي . قيل له : فكذلك يقول لك القائلون بالقيمة إنهم حكموا بالبدنة لأن ذلك كان قيمتها في ذلك الوقت ، وإن لم ينقل إلينا أنهم حكموا بالبدنة على أن قيمتها كانت قيمة النعامة . ويقال لهم : هل يدل حكمهم في النعامة ببدنة على أنه لا يجوز غيرها من الطعام والصيام ؟ فإن قالوا : لا ، قيل لهم : فكذلك حكمهم فيها بالبدنة غير دال على نفي جواز القيمة . فصل وقرئ قوله تعالى : ( فجزاء مثل ) برفع المثل ، وقرئ بخفضه وإضافة الجزاء إليه . والجزاء قد يكون اسما للواجب بالفعل ويكون مصدرا فيكون فعلا للمجازي ، فمن قرأه بالتنوين جعل المثل صفة للجزاء المستحق بالفعل وهو القيمة أو النظير من النعم على اختلافهم فيه ، ومن أضافه جعله مصدرا وأضافه إلى المثل ، فكان ما يخرجه من الواجب مضافا إلى المثل المذكور . ويحتمل أن يكون الجزاء الذي هو الواجب مضافا إلى المثل ، والمثل يكون مثلا للصيد ، فيفيد أن الصيد ميتة محرم لا قيمة له ، وأن الواجب اعتبار مثل الصيد حيا في إيجاب القيمة ، فالإضافة صحيحة المعنى في الحالين سواء كان الجزاء اسما أو مصدرا ، والنعم من الإبل والبقر والغنم . وقوله تعالى : ( يحكم به ذوا عدل منكم ) يحتمل القولين جميعا من القيمة أو النظير من النعم ، لأن القيم تختلف على حسب اختلاف أحوال الصيد ، فيحتاج في كل حين وفي كل صيد إلى استيناف حكم الحكمين في تقويمه . ومن قال بالنظير فرجع إلى قول الحكمين ، لاختلاف