الجصاص
593
أحكام القرآن
الصيد في نفسه من ارتفاع أو انخفاض حتى يوجبا في الرفيع منه الرفيع من النظير وفي الوسط الوسط وفي الدني الدني ، وذلك يحتاج فيه إلى اجتهاد الحكمين . وروي عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس وابن عمر ، قالا في محرم قتل قطاة : " فيه ثلثا مد وثلثا مد خير من قطاة في بطن مسكين " . وروى معمر عن صدقة بن يسار قال : سألت القاسم وسالما عن حجلة ذبحها وهو محرم ناسيا ، فقال أحدهما لصاحبه : أحجلة في بطن رجل خير أو ثلثا مد ؟ فقال : بل ثلثا مد ، فقال : هي خير أو نصف مد ؟ قال : بل نصف مد ، قال : هي خير أو ثلث مد ؟ قال : قلت : أتجزي عني شاة ؟ قالا : أو تفعل ذلك ؟ قلت : نعم ، قالا : فاذهب . وروي أن عمر وضع رداءه على عود في دار الندوة ، فأطار حماما فقتله وهو محرم ، فقال لعثمان ونافع بن عبد الحارث : أحكما علي ! فحكما بعناق بنية عفراء ، فأمر بها عمر . وروى عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر : " أن محرما قتل ظبيا ، فسأل عمر رجلا إلى جنبه ، ثم أمره بذبح شاة وأن يتصدق بلحمها ، قال قبيصة : فلما قمنا من عنده قلت له : أيها المستفتي ابن الخطاب إن فتيا ابن الخطاب لم تغن عنك من الله شيئا ، فانحر ناقتك وعظم شعائر الله ! فوالله ما علم ابن الخطاب ما يقول حتى سأل الرجل الذي إلى جنبه ، فقمت إلى عمر وإذا عمر قد أقبل ومعه الدرة على صاحبي صفعا وهو يقول : قاتلك الله ! أتقتل الحرام وتعدى الفتيا وتقول ما علم عمر حتى سأل من إلى جنبه ! أما تقرأ : ( يحكم به ذوا عدل منكم ) ؟ " فهذا يدل على أن حكم الحكمين في ذلك من طريق الاجتهاد ، ألا ترى أن عمر وابن عباس وابن عمر والقاسم وسالما كل واحد منهم سأل صاحبه عن اجتهاده في المقدار الواجب ، فلما اتفق رأيهما على شئ حكما به ؟ وهذا يدل على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث ، لإباحة الله تعالى الاجتهاد في تقويم الصيد وما يجب فيه . ويدل أيضا على أن تقويم المستهلكات موكول إلى اجتهاد عدلين يحكمان به على المستهلك ، كما أوجب الرجوع إلى قول الحكمين في تقويم الصيد . والحكمان عند أبي حنيفة يحكمان عليه بالقيمة ثم يختار المحرم ما شاء من هدي أو طعام أو صيام . وقال محمد : " الحكمان يحكمان بما يريان من هدي أو طعام أو صيام ، فإن حكما بالهدي كان عليه أن يهدي " . وأما قوله تعالى : ( هديا بالغ الكعبة ) فإن الهدي من الإبل والبقر والغنم ، وقال الله تعالى : ( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) [ البقرة : 196 ] ولا خلاف أن له أن يهدي من أحد هذه الأصناف أيها شاء منها . هذا في الإحصار ، فأما في جزاء الصيد فإن من يجعل الواجب عليه قيمة الصيد فإنه يخيره بعد ذلك ، فإن اختار الهدي وبلغت قيمته بدنة نحرها ، وإن لم تبلغ بدنة وبلغ بقرة ذبحها ، فإن لم تبلغ وبلغ شاة ذبحها ، وإن اشترى