الجصاص

534

أحكام القرآن

ليلى : " لا يقطع حتى يقر مرتين " . والدليل على صحة القول الأول ما روى عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن يزيد بن خصيفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة قال : أتي بسارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله هذا سرق ، فقال : " ما أخاله سرق " . فقال السارق : بلى ! قال : " فاذهبوا به فاقطعوه " فقطع . ورواه غير الدراوردي عن يزيد عن محمد بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر فيه أبا هريرة ، منهم الثوري وابن جريج ومحمد بن إسحاق . قال أبو بكر : وعلى أي وجه حصلت الرواية من وصل أو قطع فحكمها ثابت ، لأن إرسال من أرسله لا يمنع صحة وصل من وصله . ومع ذلك لو حصل مرسلا لكان حكمه ثابتا ، لأن المرسل والموصول سواء عندنا فيما يوجبان من الحكم ، فقد قطع النبي صلى الله عليه وسلم بإقراره مرة واحدة . فإن قال قائل : إنما قطعه بشهادة الشهود لأنهم قالوا سرق . قيل له : لو كان كذلك لاقتصر عليها ولم يلقنه الجحود ، فلما قال بعد قولهم سرق : " وما إخاله سرق " ولم يقطعه حتى أقر ، ثبت أنه قطع بإقراره دون الشهادة . فإن احتجوا بما روى حماد بن سلمة عن إسحاق عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبي المنذر مولى أبي ذر عن أبي أمية المخزومي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلص اعترف اعترافا ولم يوجد معه المتاع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما إخالك سرقت ! " قال : بلى يا رسول الله ! فأعادها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين أو ثلاثا ، قال : بلى ! فأمر به فقطع . ففي هذا الحديث أنه لم يقطعه بإقراره مرة واحدة ، وهو أقوى إسنادا من الأول . قيل له : ليس في هذا الحديث بيان موضع الخلاف ، وذلك أنه لم يذكر فيه إقرار السارق مرتين أو ثلاثا ، وإنما فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعاد عليه القول مرتين أو ثلاثا قبل أن يقر ثم أقر . فإن قيل : فقد ذكر فيه أنه اعترف اعترافا ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " ما إخالك سرقت " وأعاده مرتين أو ثلاثا . قيل له : يحتمل أنه يريد اعترف بعدما قال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مرتين أو ثلاثا ، ويحتمل أيضا أن يكون الاعتراف قد حصل منه عند غير النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا يوجب ذلك القطع عليه . وأيضا لو ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعاد عليه ذلك بعد الإقرار الأول ، لما دل على أن الإقرار الأول لم يوجب القطع ، إذ ليس يمتنع أن يكون القطع قد وجب وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوصل إلى إسقاطه بتلقينه الرجوع عنه . فإن قيل : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما ينبغي لوال أمر أن يؤتى الحد إلا أقامه " فلو كان القطع واجبا بإقراره بديا لما اشتغل النبي صلى الله عليه وسلم بتلقينه الرجوع عن الإقرار ولسارع إلى إقامته . قيل له : ليس وجوب القطع مانعا من استثبات الإمام إياه فيه ولا موجبا عليه قطعه في الحال ، لأن ماعزا قد أقر عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنا أربع مرات فلم يرجمه حتى استثبته