الجصاص

535

أحكام القرآن

وقال : " لعلك لمست ؟ لعلك قبلت ؟ " وسأل أهله عن صحة عقله وقال لهم : " أبه جنة ؟ " ولم يدل ذلك على أن الرجم لم يكن قد وجب بإقراره أربع مرات . فليس إذا في هذا الخبر ما يعترض به على خبر أبي هريرة الذي ذكر فيه أنه أمر بقطعه حين أقر ، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقدم على إقامة حد لم يجب بعد ، وليس يمتنع أن يؤخر إقامة حد قد وجب مستثبتا لذلك ومتحريا بالاحتياط والثقة فيه . ويدل على صحة ما ذكرنا أيضا حديث ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري عن أبيه . " أن عمرو بن سمرة أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إني سرقت جملا لبني فلان ، فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : إنا فقدنا جملا لنا ، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت يده " . ففي هذا الخبر أيضا قطعه بإقراره مرة واحدة . ومن جهة النظر أيضا أن السرقة المقر بها لا تخلو من أن تكون عينا أو غير عين ، فإن كانت عينا ولم يجب القطع بإقرار الأول فقد وجب ضمانها لا محالة من قبل أن حق الآدمي فيه يثبت بإقراره مرة واحدة ولا يتوقف على الإقرار ثانيا ، وإذا ثبت الملك للمقر له ولم يثبت القطع صار مضمونا عليه ، وحصول الضمان ينفي القطع . وإن كانت السرقة ليست بعين قائمة ، قد صارت دينا بالإقرار الأول ، وحصولها دينا في ذمته ينفي القطع على ما وصفنا . فإن قال قائل : إذا جاز أن يكون حكم أخذه بديا على وجه السرقة موقوفا في القطع على نفي الضمان وإثباته ، فهلا جعلت حكم إقراره موقوفا في تعلق الضمان به على وجوب القطع أو سقوطه ! قيل له : نفس الأخذ عندنا على وجه السرقة يوجب القطع فلا يكون موقوفا ، وإنما سقوط القطع بعد ذلك يوجب الضمان ، ألا ترى أنه إذا ثبتت السرقة بشهادة الشهود كان كذلك حكمها ؟ فإن لم يكن الإقرار بديا موجبا للقطع فينبغي أن يوجب الضمان ، ووجوب الضمان ينفي القطع ، إذ كان إقراره الثاني لا ينفي ما قد حصل عليه من الضمان النافي للقطع بإقراره الأول . فإن قيل : ينتقض هذا الاعتلال بالإقرار بالزنا ، لأن إقراره الأول بالزنا إذا لم يوجب حدا فلا بد من إيجاب المهر به ، لأن الوطء في غير ملك لا يخلو من إيجاب حد أو مهر ، ومتى انتفى الحد وجب المهر ، وإقراره الثاني والثالث والرابع لا يسقط المهر الواجب بديا بالإقرار الأول ، وهذا يؤدي إلى سقوط اعتبار عدد الإقرار في الزنا ، فلما صح وجوب اعتبار عدد الإقرار في الزنا مع وجود العلة المانعة من اعتبار عدد الإقرار في السرقة بان فيه فساد اعتلالك . قيل له : ليس هذا مما ذكرناه في شئ ، وذلك أن سقوط الحد في الزنا على وجه الشبهة لا يجب به مهر ، لأن البضع لا قيمة له إلا من جهة عقد أو شبهة عقد ، ومتى عري من ذلك لم يجب مهر . ويدل عليه اتفاقهم جميعا على أنه لو