الجصاص

533

أحكام القرآن

حديث رافع بن خديج في قوله : " لا قطع في ثمر ولا كثر " . وإنما لم يقطع في النورة ونحوها لما روت عائشة قالت : لم يكن قطع السارق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشئ التافه ، يعني الحقير . فكل ما كان تافها مباح الأصل فلا قطع فيه ، والزرنيخ والجص والنورة ونحوها تافه مباح الأصل ، لأن أكثر الناس يتركونه في موضعه مع إمكان القدرة عليه . وأما الياقوت والجوهر فغير تافه وإن كان مباح الأصل ، بل هو ثمين رفيع ليس يكاد يترك في موضعه مع إمكان أخذه ، فيقطع فيه وإن كان مباح الأصل ، كما يقطع في سائر الأموال ، لأن شرط زوال القطع المعنيان جميعا من كونه تافها في نفسه ومباح الأصل . وأيضا فإن الجص والنورة ونحوها أموال لا يراد بها القنية بل الإتلاف ، فهي كالخبز واللحم ونحو ذلك ، والياقوت ونحوه مال يراد به القنية والتبقية كالذهب والفضة . وأما الطير فإنما لم يقطع فيه لما روي عن علي وعثمان أنهما قالا : " لا يقطع في الطير " من غير خلاف من أحد من الصحابة عليهما ، وأيضا فإنه مباح الأصل ، فأشبه الحشيش والحطب . واختلف في السارق من بيت المال ، فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد والشافعي : " لا يقطع من سرق من بيت المال " ، وهو قول علي وإبراهيم النخعي والحسن . وروى ابن وهب عن مالك أنه يقطع ، وهو قول حماد بن أبي سليمان . وروى سفيان عن سماك بن حرب عن ابن عبيد بن الأبرص أن عليا أتي برجل سرق مغفرا من الخمس ، فلم ير عليه قطعا وقال : له فيه نصيب . وروى وكيع عن المسعودي عن القاسم : أن رجلا سرق من بيت المال ، فكتب فيه سعد إلى عمر ، فكتب إليه عمر : ليس عليه قطع له في نصيب . ولا نعلم عن أحد من الصحابة خلاف ذلك . وأيضا لما كان حقه وحق سائر المسلمين فيه سواء فصار كسارق مال بينه وبين غيره فلا يقطع . واختلف فيمن سرق خمرا من ذمي أو مسلم ، فقال أصحابنا ومالك والشافعي : " لا قطع عليه " ، وهو قول الثوري . وقال الأوزاعي في ذمي سرق من مسلم خمرا أو خنزيرا : " غرم الذمي ويجد فيه المسلم " . قال أبو بكر : الخمر ليست بمال لنا ، وإنما أمر هؤلاء أن تترك مالا لهم بالعهد والذمة ، فلا يقطع سارقها لأن ما كان مالا من وجه وغير مال من وجه فإن أقل أحواله أن يكون ذلك شبهة في درء الحد عن سارقه ، كمن وطئ جارية بينه وبين غيره . وأيضا فإن المسلم معاقب على اقتناء الخمر وشربها مأمور بتخليلها أو صبها ، فمن أخذها فإنما أزال يده عما كان عليه إزالتها عنه فلا يقطع . واختلف فيمن أقر بالسرقة مرة واحدة ، فقال أبو حنيفة وزفر ومالك والشافعي والثوري : " إذا أقر بالسرقة مرة واحدة قطع " . وقال أبو يوسف وابن شبرمة وابن أبي