الجصاص

532

أحكام القرآن

الجمار فقد نفى القطع عنه لأنه مما يفسد وهو أصل في كل ما كان في معناه ، وإن أراد به النخل فقد دل على نفي القطع في الخشب ، فنستعملهما على فائدتيهما جميعا . وكذلك قال أبو حنيفة : " لا قطع في خشب إلا الساج والقنا " وكذلك يجئ على قوله في الأبنوس ، وذلك أن الساج والقنا والأبنوس لا يوجد في دار الاسلام إلا مالا فهو كسائر الأموال . وإنما اعتبر ما يوجد في دار الاسلام مالا من قبل أن الأملاك الصحيحة هي التي توجد في دار الاسلام ، وما كان في دار الحرب فليس بملك صحيح ، لأنها دار إباحة وأملاك أهلها مباحة ، فلا يختلف فيها حكم ما كان منه مالا مملوكا وما كان منه مباحا ، فلذلك سقط اعتبار كونها مباحة في دار الحرب ، فاعتبر حكم وجودها في دار الاسلام ، فلما لم توجد في دار الاسلام إلا مالا كانت كسائر أموال المسلمين التي ليست مباحة الأصل . فإن قال قائل : النخل غير مباح الأصل . قيل له : هو مباح الأصل في كثير من المواضع كسائر الجنس المباح الأصل ، وإن كان بعضها مملوكا بالأخذ والنقل من موضع إلى موضع ، وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال : جاء رجل من مزينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله كيف ترى في حريسة الجبل ؟ قال : " هي عليه ومثلها والنكال ، وليس في شئ من الماشية قطع إلا ما أواه المراح ، فإذا أواه المراح فبلغ ثمن المجن ففيه قطع اليد ، وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثله وجلدات النكال " ، قال : يا رسول الله كيف ترى في الثمر المعلق ؟ قال : " هي ومثله معه والنكال ، وليس في شئ من الثمر المعلق قطع إلا ما أواه الجرين ، فما أخذه من الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع ، وما لم يبلغ ففيه غرامة مثله وجلدات النكال " . فنفى في حديث رافع بن خديج القطع عن الثمر رأسا ، ونفى في حديث عبد الله بن عمر القطع عن الثمر إلا ما أواه الجرين . وقوله : " حتى يأويه الجرين " يحتمل معنيين : أحدهما الحرز ، والآخر الإبانة عن حال استحكامه وامتناع إسراع الفساد إليه ، لأنه لا يأويه الجرين إلا وهو مستحكم في الأغلب ، وهو كقوله تعالى : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) [ الأنعام : 141 ] ولم يرد به وقوع الحصاد ، وإنما أراد به بلوغه وقت الحصاد ، وقوله عليه السلام : " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " ولم يرد به وجود الحيض ، وإنما أخبر عن حكمها بعد البلوغ ، وقوله : " إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة " . ولم يرد به السن ، وإنما أراد الإحصان ، وقوله : " في خمس وعشرين بنت مخاض " أراد دخولها في السنة الثانية وإن لم يكن بأمها مخاض ، لأن الأغلب إذا صارت كذلك كان بأمها مخاض ، وكذلك قوله : " حتى يأويه الجرين " يحتمل أن يريد به بلوغ حال الاستحكام ، فلم يجز من أجل ذلك أن يخص