الجصاص
528
أحكام القرآن
عمر : السنة اليد . وروى عبد الرحمن بن يزيد عن جابر عن مكحول أن عمر قال : " لا تقطعوا يده بعد اليد والرجل ولكن احبسوه عن المسلمين " . وقال الزهري : انتهى أبو بكر إلى اليد والرجل . وروى أبو خالد الأحمر عن حجاج عن سماك عن بعض أصحابه : أن عمر استشارهم في السارق فأجمعوا على أنه تقطع يده اليمنى فإن عاد فرجله اليسرى ثم لا يقطع أكثر من ذلك ، وهذا يقتضي أن يكون ذلك إجماعا لا يسع خلافه ، لأن الذين يستشيرهم عمر هم الذين ينعقد بهم الاجماع . وقد روى سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه : أن أبا بكر الصديق قطع اليد بعد قطع اليد والرجل ، في قصة الأسود الذي نزل بأبي بكر ثم سرق حلي أسماء ، وهو مرسل وأصله حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة : أن رجلا خدم أبا بكر فبعثه مع مصدق وأوصاه به ، فلبث قريبا من شهر ثم جاءه وقد قطعه المصدق ، فلما رآه أبو بكر قال له : مالك ؟ قال : وجدني خنت فريضة فقطع يدي ، فقال أبو بكر : إني لأراه يخون أكثر من ثلاثين فريضة ، والذي نفسي بيده لئن كنت صادقا لأقيدنك منه ! ثم سرق حلي أسماء بنت عميس فقطعه أبو بكر . فأخبرت عائشة أن أبا بكر قطعه بعد قطع المصدق يده ، وذلك لا يكون إلا قطع الرجل اليسرى . وهو حديث صحيح لا يعارض بحديث القاسم ، ولو تعارضا لسقطا جميعا ، ولم يثبت بهذا الحديث عن أبي بكر شئ ، ويبقى لنا الأخبار الأخر التي ذكرناها عن أبي بكر والاقتصار على الرجل اليسرى . فإن قيل : روى خالد الحذاء عن محمد بن حاطب أن أبا بكر قطع يدا بعد يد ورجل . قيل له : لم يقل في السرقة ، ويجوز أن يكون في قصاص ، وقد روي عن عمر بن الخطاب مثل ذلك ، وتأويله ما ذكرناه فحصل من اتفاق السلف وجوب الاقتصار على اليد والرجل ، وما روي عنهم من مخالفة ذلك فإنما هو على وجهين : إما أن يكون الحكاية في قطع اليد بعد الرجل أو قطع الأربع من غير ذكر السرقة فلا دلالة فيه على القطع في السرقة ، أو يكون مرجوعا عنه كما روي عن عمر ثم روي عنه الرجوع عنه . وقد روي عن عثمان أنه ضرب عنق رجل بعد ما قطع أربعته ، وليس فيه دلالة على قول المخالف ، لأنه لم يذكر أنه قطعه في السرقة ، ويجوز أن يكون قطعه من قصاص . ويدل على صحة قول أصحابنا قوله تعالى : ( فاقطعوا أيديهما ) وقد بينا أن المراد أيمانهما ، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود وابن عباس والحسن وإبراهيم . وإذا كان الذي تتناوله الآية يدا واحدة لم تجز الزيادة عليها إلا من جهة التوقيف أو الاتفاق ، وقد ثبت الاتفاق في الرجل اليسرى واختلفوا بعد ذلك في اليد اليسرى ، فلم يجز قطعها مع عدم الاتفاق والتوقيف ، إذ غير جائز إثبات الحدود إلا من أحد هذين الوجهين . ودليل آخر ، وهو