الجصاص

529

أحكام القرآن

اتفاق الأمة على قطع الرجل بعد اليد ، وفي ذلك دليل على أن اليد اليسرى غير مقطوعة أصلا ، لأن العلة في العدول عن اليد اليسرى بعد اليمنى إلى الرجل في قطعها على هذا الوجه إبطال منفعة الجنس ، وهذه العلة موجودة بعد قطع الرجل اليسرى . ومن جهة أخرى أنه إنما لم تقطع رجله اليمنى بعد رجله اليسرى لما فيه من بطلان منفعة المشي رأسا ، كذلك لا تقطع اليد اليسرى بعد اليمنى لما فيه من بطلان منفعة البطش ، وهو منافع اليد كالمشي من منافع الرجل . ودليل آخر ، وهو اتفاق الجميع على أن المحارب وإن عظم جرمه في أخذ المال لا يزاد على قطع اليد والرجل لئلا تبطل منفعة جنس الأطراف ، كذلك السارق وإن كثر الفعل منه بأن عظم جرمه فلا يوجب الزيادة على قطع اليد والرجل . فإن قال قائل : قوله عز وجل فاقطعوا أيديهما ) يقتضي قطع اليدين جميعا ، ولولا الاتفاق لما عدلنا عن اليد اليسرى في السرقة الثانية إلى الرجل اليسرى . قيل له : أما قولك إن الآية مقتضية لقطع اليد اليسرى ، فليس كذلك عندنا ، لأنها إنما اقتضت يدا واحدة لما ثبت من إضافتها إلى الاثنين بلفظ الجمع دون التثنية ، وأن ما كان هذا وصفه فإنه يقتضي يدا واحدة منهما من كل واحد منهما ، ثم قد اتفقوا أن اليد اليمنى مرادة فصار كقوله تعالى : " فاقطعوا أيمانهما " فانتفى بذلك أن تكون اليسرى مرادة باللفظ ، فيسقط الاحتجاج بالآية في إيجاب قطع اليسرى . وعلى أنه لو كان لفظ الآية محتملا لما وصفت لكان اتفاق الأمة على قطع الرجل بعد اليمنى دلالة على أن اليسرى غير مرادة ، إذ غير جائز ترك المنصوص والعدول عنه إلى غيره . واحتج موجبو قطع الأطراف بما رواه عبد الله بن رافع قال : أخبرني حماد بن أبي حميد عن محمد بن المنكدر عن جابر : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بسارق قد سرق فأمر به أن تقطع يده ، ثم أتي به مرة أخرى قد سرق فأمر به أن تقطع رجله ، ثم أتي به مرة أخرى قد سرق فأمر به أن تقطع يده ، ثم سرق فأمر به أن تقطع رجله ، حتى قطعت أطرافه كلها " ، وحماد بن أبي حميد ممن يضعف . وهو مختصر ، وأصله ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل الهلالي : حدثنا جدي عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : جئ بسارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " اقتلوه ! " فقالوا : يا رسول الله إنما سرق ! فقال : " اقطعوه ! " قال : فقطع ، ثم جئ به الثانية ، فقال : " اقتلوه ! " فقالوا : يا رسول الله إنما سرق ! قال : " اقطعوه ! " قال : فقطع ، ثم جئ به الثالثة ، فقال : " اقتلوه ! " فقالوا : يا رسول الله إنما سرق ! قال : " اقطعوه ! " ثم أتي به الرابعة ، فقال : " اقتلوه ! " فقالوا :