الجصاص

510

أحكام القرآن

من ألبانها وأبوالها " ففعلوا ، فلما صحوا قاموا إلى راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلوه ورجعوا كفارا واستاقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسل في طلبهم ، فأتى بهم ، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا . قيل له : إن خبر العرنيين مختلف فيه ، فذكر بعضهم عن أنس نحو ما ذكرنا ، وزاد فيه : أنه كان سبب نزول الآية . وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها نزلت في أصحاب أبي برزة الأسلمي وكان موادعا للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقطعوا الطريق على قوم جاؤوا يريدون الاسلام ، فنزلت فيهم . وروى عكرمة عن ابن عباس أنها نزلت في المشركين ، فلم يذكر مثل قصة العرنيين . وروي عن ابن عمر أنها نزلت في العرنيين ولم يذكر ردة . مطلب : الحكم لعموم اللفظ إلا أن تقوم الدلالة على الاقتصار به على السبب ولا يخلو نزول الآية من أن يكون في شأن العرنيين أو الموادعين ، فإن كان نزولها في العرنيين وأنهم ارتدوا ، فإن نزولها في شأنهم لا يوجب الاقتصار بها عليهم ، لأنه لا حكم للسبب عندنا وإنما الحكم عندنا لعموم اللفظ إلا أن تقوم الدلالة على الاقتصار به على السبب . وأيضا فإن من ذكر نزولها في شأن العرنيين فإنه ما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية شيئا ، وإنما تركهم في الحرة حتى ماتوا ، ويستحيل نزول الآية في الأمر بقطع من قد قطع وقتل من قتل لأن ذلك غير ممكن ، فعلمنا أنهم غير مرادين بحكم الآية ، ولأن الآية عامة في سائر من يتناوله الاسم غير متصور الحكم على المرتدين . وقد روى همام عن قتادة عن ابن سيرين قال : " كان أمر العرنيين قبل أن ينزل الحدود " ، فأخبر أنه كان قبل نزول الآية . ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمل أعينهم ، وذلك منسوخ بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة . وأيضا لما كان نزول الآية بعد قصة العرنيين واقتصر فيها على ما ذكر ولم يذكر سمل الأعين ، فصار سمل الأعين منسوخا بالآية ، لأنه لو كان حدا معه لذكره ، وهو مثل ما روي في خبر عبادة : " في البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الجلد والرجم " ثم أنزل الله تعالى : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) [ النور : 2 ] فصار الحد هو ما في الآية دون غيره ، وصار النفي منسوخا بها . ومما يدل على أن الآية لم تنزل في العرنيين وأنها نزلت بعدهم أن فيها ذكر القتل والصلب وليس فيها ذكر سمل الأعين ، وغير جائز أن تكون الآية نزلت قبل إجراء الحكم عليهم وأن يكونوا مرادين بها ، لأنه لو كان كذلك لأجرى النبي صلى الله عليه وسلم حكمها عليهم ، فلما لم يصلبوا وسملهم دل على أن حكم الآية لم يكن ثابتا حينئذ ، فثبت بذلك أن حكم الآية غير مقصور على المرتدين وأنه عام في سائر المحاربين .