الجصاص
484
أحكام القرآن
في دار الدنيا ، وإنما أراد صوتا أو ريحا على صفة لا يدرى ما هو بنفس اللفظ ، فسبيله أن يكون موقوفا على دلالة ، فإن ادعوا فيه العموم كان دلالة لنا ، لأنه إذا سمع صوت الماء وجب عليه بظاهره ، إذ لم يفرق بين الأصوات . فصل مطلب : في الوضوء بنبيذ ويستدل بقوله تعالى : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) الآية ، على جواز الوضوء بنبيذ التمر من وجهين : أحدهما قوله تعالى : ( فاغسلوا وجوهكم ) وذلك عموم في جميع المائعات لأنه يسمى غاسلا بها ، إلا ما قام الدليل فيه ، ونبيذ التمر مما قد شمله العموم . والثاني : قوله تعالى : ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) فإنما أباح التيمم عند عدم كل جزء من الماء ، لأنه لفظ منكر يتناول كل جزء منه سواء كان مخالطا لغيره أو منفردا بنفسه ، ولا يمتنع أحد أن يقول في نبيذ التمر ماء ، فلما كان كذلك وجب أن لا يجوز التيمم مع وجوده بالظاهر ، ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ به بمكة قبل نزول آية التيمم . وقيل إن نقل من الماء إلى بدل فدل ذلك على أنه بقي فيه حكم الماء الذي فيه ، لا على وجه البدل عن الماء إذ قد توضأ به في وقت كانت الطهارة مقصورة على الماء دون غيره ، وقد تكلمنا في هذه المسألة في مواضع من كتبنا . وروى يحيى بن كثير عن عكرمة عن ابن عباس قال : " الوضوء بالنبيذ الذي لا يسكر وضوء لمن لم يجد الماء " . وقال عكرمة : " النبيذ وضوء إذا لم تجد غيره " . وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال : " ركبت مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم البحر ، ففنى ماؤهم فتوضؤوا بالنبيذ وكرهوا ماء البحر " . وروى المبارك بن فضالة عن أنس : " أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ " . فهؤلاء الصحابة والتابعون قد روي عنهم جواز الوضوء بالنبيذ من غير خلاف ظهر من أحد من نظائرهم عليهم . وروي عن أبي حنيفة في الوضوء بنبيذ التمر ثلاث روايات : إحداها وهي المشهورة : " أنه يتوضأ به ولا يتيمم " وهو قول زفر ، وروي عنه : " أنه يتوضأ به ويتيمم " وهو قول محمد ، وروى نوح أن أبا حنيفة رجع عن الوضوء بالنبيذ وقال : " يتيمم ولا يتوضأ به " . وقال مالك والثوري وأبو يوسف والشافعي : " يتيمم ولا يتوضأ به " . وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف : " أنه يتوضأ به ويتيمم " وكذلك روي عنه المعلى . وقال حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي صاحب الحسن بن صالح : " يتوضأ بنبيذ التمر مع وجود الماء إن شاء " . وروي الوضوء بنبيذ التمر عن النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود وأبو أمامة ، روى عن عبد الله من طرق عدة قد بيناها في مواضع .