الجصاص

47

أحكام القرآن

محبتهم لما يشق عليكم ، وقال الله تعالى : ( ولو شاء الله لأعنتكم ) [ البقرة : 220 ] . وفي هذه الآية دلالة على أنه لا تجوز الاستعانة بأهل الذمة في أمور المسلمين من العمالات والكتبة ، وقد روي عن عمر أنه بلغه أن أبا موسى استكتب رجلا من أهل الذمة ، فكتب إليه يعنفه ، وتلا : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ) ، أي لا تردوهم إلى العز بعد أن أذلهم الله تعالى . وروى أبو حيان التيمي عن فرقد بن صالح عن أبي دهقانة قال : قلت لعمر بن الخطاب : إن ههنا رجلا من أهل الحيرة لم نر رجلا أحفظ منه ولا أخط منه بقلم ، فإن رأيت أن تتخذه كاتبا ! قال : قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين . وروى هلال الطائي عن وسق الرومي قال : كنت مملوكا لعمر فكان يقول لي : أسلم فإنك إن أسلمت استعنت بك على أمانة المسلمين ، فإنه لا ينبغي أن أستعين على أمانتهم من ليس منهم ، فأبيت ، فقال : لا إكراه في الدين ، فلما حضرته الوفاة أعتقني فقال : اذهب حيث شئت . مطلب : في قوله تعالى : ( لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ) وأن المخصوص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه وقوله تعالى : ( ولا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ) ، قيل في معنى ( أضعافا مضاعفة ) وجهان : أحدهما المضاعفة بالتأجيل أجلا بعد أجل ولكل أجل قسط من الزيادة على المال ، والثاني : ما يضاعفون به أموالهم . وفي هذا دلالة على أن المخصوص بالذكر لا يدل على أن ما عداه بخلافه ، لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون ذكر تحريم الربا أضعافا مضاعفة دلالة على إباحته إذا لم يكن أضعافا مضاعفة ، فلما كان الربا محظورا بهذه الصفة وبعدمها دل ذلك على فساد قولهم في ذلك ، ويلزمهم في ذلك أن تكون هذه الدلالة منسوخة بقوله تعالى : ( وحرم الربا ) [ البقرة : 275 ] إذا لم يبق لها حكم في الاستعمال . وقوله تعالى : ( وجنة عرضها السماوات والأرض ) ، قيل : كعرض السماوات والأرض ، وقال في آية أخرى : ( وجنة عرضها كعرض السماء والأرض [ الحديد : 21 ] ، وكما قال : ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ) [ لقمان : 28 ] أي إلا كبعث نفس واحدة . ويقال إنما خص العرض بالذكر دون الطول لأنه يدل على أن الطول أعظم ، ولو ذكر الطول لم يقم مقامه في الدلالة على العظم ، وهذا يحتج به في قول النبي صلى الله عليه وسلم : " ذكاة الجنين ذكاة أمه : " معناه : كذكاة أمه . مطلب في قول عمر رضي الله عنه من خاف الله لم يشف غيظه وقوله تعالى : ( والذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن