الجصاص
48
أحكام القرآن
الناس ) ، قال ابن عباس : ( في السراء والضراء ) في العسر واليسر ، يعني في حال قلته وكثرته . وقيل : في حال السرور والغم لا يقطعه شئ من ذلك عن إنفاقه في وجوه البر ، فمدح المنفقين في هاتين الحالتين ثم عطف عليه الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ، فمدح من كظم غيظه وعفا عمن اجترم إليه . وقال عمر بن الخطاب : " من خاف الله لم يشف غيظه ومن اتقى الله لم يصنع ما يريد ، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون " . وكظم الغيظ والعفو مندوب إليهما موعود بالثواب عليهما من الله تعالى . قوله تعالى : ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ) ، فيه حض على الجهاد من حيث لا يموت أحد فيه إلا بإذن الله تعالى ، وفيه التسلية عما يلحق النفس بموت النبي صلى الله عليه وسلم لأنه بإذن الله تعالى ، لأنه قد تقدم ذكر موت النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) الآية . وقوله تعالى : ( ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ) ، قيل فيه : " من عمل للدنيا وفر حظه المقسوم له فيها من غير أن يكون له حظ في الآخرة " ، روي ذلك عن ابن إسحاق . وقيل إن معناه : " من أراد بجهاده ثواب الدنيا لم يحرم حظه من الغنيمة " . وقيل : " من تقرب إلى الله بعمل النوافل وليس هو ممن يستحق الجنة بكفره أو بما يحبط عمله جوزي بها في الدنيا من غير أن يكون له حظ في الآخرة " ، وهو نظير قوله تعالى : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ) ) [ الاسراء : 18 ] . قوله تعالى : ( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ) . قال ابن عباس والحسن : " علماء وفقهاء " ، وقال مجاهد وقتادة : " جموع كثيرة " . وقوله تعالى : ( فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ) ، فإنه قيل في الوهن بأنه انكسار الجسد ونحوه ، والضعف نقصان القوة . وقيل في الاستكانة إنها إظهار الضعف ، وقيل فيه إنه الخضوع ، فبين تعالى أنهم لم يهنوا بالخوف ولا ضعفوا لنقصان القوة ولا استكانوا بالخضوع ، وقال ابن إسحاق : " فما وهنوا بقتل نبيهم ولا ضعفوا عن عدوهم ولا استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن دينهم " . وفي هذه الآية الترغيب في الجهاد في سبيل الله والحض على سلوك طريق العلماء من صحابة الأنبياء والأمر بالاقتداء بهم في الصبر على الجهاد . وقوله تعالى : ( وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ) الآية . فيه حكاية دعاء الربيين من أتباع الأنبياء المتقدمين وتعليم لنا لأن نقول مثل قولهم عند حضور القتال ، فينبغي للمسلمين أن يدعوا بمثله عند معاينة العدو ، لأن الله تعالى حكى ذلك