الجصاص
462
أحكام القرآن
التيمم ، ومن أجل ذلك قال أبو حنيفة ومحمد : " ومن خاف برد الماء إن اغتسل جاز له التيمم لما يخاف من الضرر " . وقد روي في حديث عمرو بن العاص أنه تيمم مع وجود الماء لخوف البرد ، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره . وقد اتفقوا على جوازه في السفر مع وجود الماء لخوف البرد ، فوجب أن يكون الحضر مثله لوجود العلة المبيحة له ، وكما لم يختلف حكم المرض في السفر والحضر كذلك حكم خوف ضرر الماء لأجل البرد . وقوله تعالى : ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) فإن " أو " ههنا بمعنى " الواو " ، تقديره وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط وذلك راجع إلى المريض والمسافر إذا محدثين ولزمهما فرض الصلاة وإنما قلنا إن قوله ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) بمعنى الواو . لأنه لو لم يكن كذلك لكان الجائي من الغائط ثالثا لهما غير المريض والمسافر ، فلا يكون حينئذ وجوب الطهارة على المريض والمسافر متعلقا بالحدث ، ومعلوم أن المريض والمسافر لا يلزمهما التيمم إلا أن يكونا محدثين ، فوجب أن يكون قوله تعالى : ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) بمعنى : وجاء أحدكم ، كقوله : ( وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ) [ الصافات : 147 ] معناه : ويزيدون ، وكقوله : ( إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ) [ النساء : 135 ] ومعناه : غنيا وفقيرا . وأما قوله تعالى : ( أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ) فإن السلف قد تنازعوا في معنى الملامسة المذكورة في هذه الآية ، فقال علي وابن عباس وأبو موسى والحسن وعبيدة والشعبي : " هي كناية عن الجماع " وكانوا لا يوجبون الوضوء لمن مس امرأته . وقال عمر وعبد الله بن مسعود : " المراد اللمس باليد " وكانا يوجبان الوضوء بمس المرأة ولا يريان للجنب أن يتيمم . فمن تأوله من الصحابة على الجماع لم يوجب الوضوء من مس المرأة ، ومن حمله على اللمس باليد أوجب الوضوء من مس المرأة ولم يجز التيمم للجنب . واختلف الفقهاء في ذلك أيضا ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري والأوزاعي : " لا وضوء على من مس امرأة لشهوة مسها أو لغير شهوة " . وقال مالك : " إن مسها لشهوة تلذذا فعليه الوضوء وكذلك إن مسته تلذذا فعليها الوضوء " ، وقال : " إن مس شعرها تلذذا فعليه الوضوء وإذا قال لها شعرك طالق طلقت " . وقال الحسن بن صالح : " إن قبل لشهوة فعليه الوضوء وإن كان لغير شهوة فلا وضوء عليه " . وقال الليث : " إن مسها فوق الثياب تلذذا فعليه الوضوء " . وقال الشافعي : " إذا مس جسدها فعليه الوضوء لشهوة أو لغير شهوة " . والدليل على أن لمسها ليس بحدث على أي وجه كان ، ما روي عن عائشة من طرق مختلفة بأن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ " ، كما روي : " أنه