الجصاص
463
أحكام القرآن
كان يقبل بعض نسائه وهو صائم " . وقد روي الأمران جميعا في حديث واحد . ولا يجوز حمله على أنه قبل خمارها وثوبها لوجهين ، أحدهما : أنه لا يجوز أن يحمل اللفظ على المجاز بغير دلالة ، إذ حقيقته أن يكون قد باشر جلدها حيث قبلها ، وما ذكره الخصم يكون قبلة لخمارها . والثاني : أنه لا فائدة في نقله . وأيضا فإنه لم يكن بين النبي صلى الله عليه وسلم من الوحشة وبين أزواجه ما يوجب أن يكن مستورات عنه لا يصيب منها إلا الخمار . ومنه حديث عائشة أنها طلبت النبي صلى الله عليه وسلم ليلة ، قالت : فوقعت يدي على أخمص قدمه وهو ساجد يقول : " أعوذ بعفوك من عقوبتك وبرضاك من سخطك " . فلو كان مس المرأة حدثا لما مضى في سجوده ، لأن المحدث لا يجوز أن يبقى على حال السجود . وحديث أبي قتادة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت أبي العاص ، فإذا سجد وضعها ، وإذا رفع رأسه حملها " ، ومعلوم أن من فعل ذلك لا يخلو من وقوع يده على شئ من بدنها ، فثبت بذلك أن مس المرأة ليس بحدث . وهذه الأخبار حجة على من يجعل اللمس حدثا لشهوة أو لغير شهوة ، ولا يحتج بها على من اعتبر اللمس لشهوة ، لأنه حكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يخبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لشهوة ، ومسه أمامة قد علم يقينا أنه لم يكن لشهوة . والذي يحتج به على الفريقين أنه معلوم عموم البلوى بمس النساء لشهوة ، والبلوى بذلك أعم منها بالبول والغائط ونحوهما ، فلو كان حدثا لما أخلى النبي صلى الله عليه وسلم الأمة من التوقيف عليه لعموم البلوى به وحاجتهم إلى معرفة حكمه ، ولا جائز في مثله الاقتصار بالتبليغ إلى بعضهم دون بعض ، فلو كان منه توقيف لعرفه عامة الصحابة ، فلما روي عن الجماعة الذين ذكرناهم من الصحابة أنه لا وضوء فيه ، دل على أنه لم يكن منه صلى الله عليه وسلم توقيف لهم عليه ، وعلم أنه لا وضوء فيه . فإن قيل : يلزمك مثله لخصمك لأن يقول : لو لم يكن فيه وضوء لكان من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف للكافة عليه ، لأنه لا وضوء فيه لعموم البلوى به . قيل له : لا يجب ذلك في نفي الوضوء منه كما يجب في إثباته ، وذلك لأنه معلوم أن الوضوء منه لم يكن واجبا في الأصل ، فجائز أن يتركهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما كان معلوما عندهم من نفي وجوب الطهارة ، ومتى شرع الله تعالى فيه إيجاب الوضوء فغير جائز أن يتركهم بغير توقيف عليه مع علمه بما كانوا عليه من نفي إيجابه ، لأن ذلك يوجب إقرارهم على خلاف ما تعبدوا به ، فلما وجدنا قوما من جلة الصحابة لم يعرفوا الوضوء من مس المرأة علمنا أنه لم يكن منه توقيف على ذلك . فإن قيل : جائز أن لا يكون منه صلى الله عليه وسلم توقيف في حال ذلك اكتفاء بما في ظاهر