الجصاص

461

أحكام القرآن

لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) فتضمنت الآية بيان حكم المريض الذي يخاف ضرر استعمال الماء ، وحكم المسافر الذي لا يجد الماء إذا كان جنبا أو محدثا ، لأن قوله تعالى : ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) في بيان حكم الحدث ، لأن الغائط هو اسم للمنخفض من الأرض ، وكانوا يقضون الحاجة هناك ، فجعل ذلك كناية عن الحدث . وقوله : ( أو لامستم النساء ) مفيد لحكم الجنابة في حال عدم الماء لما يستدل عليه إن شاء الله تعالى . وقد دل ظاهر قوله : ( وإن كنتم مرضى ) على إباحة التيمم لسائر المرضى بحق العموم ، لولا قيام الدلالة على أن المراد بعض المرضى ، فروي عن ابن عباس وجماعة من التابعين : " أنه المجدور ومن يضره الماء " ولا خلاف مع ذلك أن المريض الذي لا يضره استعمال الماء لا يباح له التيمم مع وجود الماء . وإباحة التيمم للمريض غير مضمنة بعدم الماء بل هي مضمنة بخوف ضرر الماء على ما بينا ، وذلك لأنه تعالى قال : ( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ) فأباح التيمم للمريض من غير شرط عدم الماء ، وعدم الماء إنما هو مشروط للمسافر دون المريض ، من قبل أنه لو جعل عدم الماء شرطا في إباحة التيمم للمريض لأدى ذلك إلى اسقاط فائدة ذكر المريض ، لأن العلة المبيحة للتيمم وجواز الصلاة به في المريض والمسافر لو كانت عدم الماء لما كان لذكر المريض مع ذكر عدم الماء فائدة ، إذ لا تأثير للمرض في إباحة التيمم ولا منعه ، إذ كان الحكم متعلقا بعدم الماء . فإن قيل : إذا جاز أن يذكر حال السفر مع عدم الماء وإن كان جواز التيمم متعلقا بعدم الماء دون السفر ، إذ لو كان واجدا للماء لما أجزأه التيمم ، لم يمتنع أن تكون إباحة التيمم للمريض موقوفة على حال عدم الماء . قيل له : إنما ذكر المسافر لأن الماء إنما يعدم في السفر في الأعم الأكثر ، فإنما ذكر السفر إبانة عن الحال التي يعدم الماء فيها في الأعم الأكثر ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " لا قطع في ثمر حتى يأويه الجرين " وليس المقصد فيه أن يأويه الجرين فحسب لأنه لو آواه بيت أو دار كان ذلك كذلك ، وإنما مراده بلوغ حال الاستحكام وامتناع إسراع الفساد إليه وإيواء الحرز ، لأن الجرين الذي يأويه حرز ، وكما قال : " في خمس وعشرين بنت مخاض " ولم يرد به وجود المخاض بأمها ، وإنما أراد به أنه قد أتى عليها حول وصارت في الثاني ، لأنها إذا كانت كذلك كان بأمها مخاض في الأعم الأكثر ، فكان فائدة ذكر المسافر مع شرط عدم الماء ما وصفنا . وليس كذلك المريض ، لأن المريض لا تعلق له بعدم الماء ، فعلمنا أن مراده ما يلحق من الضرر باستعمال الماء . وعموم اللفظ يقتضي جواز التيمم للمريض في كل حال لولا ما روي عن السلف واتفاق الفقهاء عليه من أن المرض الذي لا يضر معه استعمال الماء لا يبيح له