الجصاص

46

أحكام القرآن

إقرار من كفر بالتأويل على الجزية لأنه بمنزلة المرتد لإعطائه بديا جملة التوحيد والإيمان بالرسول ، فمتى نقض ذلك بالتفصيل صار مرتدا . ومن الناس من يجعلهم بمنزلة أهل الكتاب ، كذلك كان يقول أبو الحسن ، فتجوز عنده مناكحاتهم ولا يجوز للمسلمين أن يزوجوهم وتؤكل ذبائحهم لأنهم منتحلون بحكم القرآن وإن لم يكونوا مستمسكين به ، كما أن من انتحل النصرانية أو اليهودية فحكمه حكمهم وإن لم يكن مستمسكا بسائر شرائعهم ، وقال تعالى : ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) [ المائدة : 51 ] ، وقال محمد في الزيادات : " لو أن رجلا دخل في بعض الأهواء التي يكفر أهلها ، كان في وصاياه بمنزلة المسلمين ، يجوز منها ما يجوز من وصايا المسلمين ويبطل منها ما يبطل من وصاياهم " ، وهذا يدل على موافقة المذهب الذي يذهب إليه أبو الحسن في بعض الوجوه . ومن الناس من يجعلهم بمنزلة المنافقين الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فأقروا على نفاقهم مع علم الله تعالى بكفرهم ونفاقهم . ومن الناس من يجعلهم كأهل الذمة ، ومن أبى ذلك ففرق بينهما بأن المنافقين لو وقفنا على نفاقهم لم نقرهم عليه ولم نقبل منهم إلا الاسلام أو السيف وأهل الذمة إنما أقروا بالجزية ، وغير جائز أخذ الجزية من الكفار المتأولين المنتحلين للإسلام ولا يجوز أن يقروا بغير جزية ، فحكمهم في ذلك متى وقفنا على مذهب واحد منهم اعتقاد الكفر لم يجز إقراره عليه وأجري عليه أحكام المرتدين ، ولا يقتصر في إجرائه حكم الكفار على إطلاق لفظ عسى أن يكون غلطه فيه دون الاعتقاد دون أن يبين عن ضميره فيعرب لنا عن اعتقاده بما يوجب تكفيره ، فحينئذ يجوز عليه أحكام المرتدين من الاستتابة فإن تاب وإلا قتل ، والله أعلم . باب الاستعانة بأهل الذمة قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ) الآية . قال أبو بكر : بطانة الرجل خاصته الذين يستبطنون أمره ويثق بهم في أمره ، فنهى الله تعالى المؤمنين أن يتخذوا أهل الكفر بطانة من دون المؤمنين وأن يستعينوا بهم في خواص أمورهم ، وأخبر عن ضمائر هؤلاء الكفار للمؤمنين فقال : ( لا يألونكم خبالا ) يعني : لا يقصرون فيما يجدون السبيل إليه من إفساد أموركم ، لأن الخبال هو الفساد . ثم قال : ( ودوا ما عنتم ) ، قال السدي : " ودوا ضلالكم عن دينكم " ، وقال ابن جريج : " ودوا أن تعنتوا في دينكم فتحملوا على المشقة فيه " ، لأن أصل العنت المشقة ، فكأنه أخبر عن