الجصاص
438
أحكام القرآن
فإن احتج المخالف في ذلك بما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لعقبة بن عامر حين قدم عليه وقد مسح على خفيه جمعة : " أصبت السنة " ، وبما روى حماد بن زيد عن كثير بن شنظير عن الحسن ، أنه سئل عن المسح على الخفين في السفر فقال : كنا نسافر مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يوقتون . قيل له : قد روى سعيد بن المسيب عن عمر أنه قال لابنه عبد الله حين أنكر على سعد المسح على الخفين : " يا بني عمك أفقه منك ، للمسافر ثلاثة أيام ولياليها وللمقيم يوم وليلة " وسويد بن غفلة عن عمر أنه قال : " ثلاثة أيام ولياليها للمسافر ويوم وليلة للمقيم " . وقد ثبت عن عمر التوقيت على الحد الذي بيناه ، فاحتمل أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم لعقبة حين مسح على خفيه جمعة : " أصبت السنة " يعني : أنك أصبت السنة في المسح ، وقوله : " إنه مسح جمعة " إنما عنى به أنه مسح جمعة على الوجه الذي يجوز عليه المسح ، كما يقول القائل : " مسحت شهرا على الخفين " وهو يعني على الوجه الذي يجوز فيه المسح ، لأنه معلوم أنه لم يرد به أنه مسح جمعة دائما لا يفتر ، وإنما أراد به المسح في الوقت الذي يحتاج فيه إلى المسح ، كذلك إنما أراد الوقت الذي يجوز فيه المسح ، وكما تقول : " صليت الجمعة شهرا بمكة " والمعنى : في الأوقات التي يجوز فيها فعل الجمعة . وأما قول الحسن : " إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين سافر معهم كانوا لا يوقتون " فإنه إنما عنى به - والله أعلم - أنهم ربما خلعوا الخفاف فيما بين يومين أو ثلاثة ، وأنهم لم يكونوا يداومون على مسح الثلاث حسبما قد جرت به العادة من الناس أنهم ليسوا يكادون يتركون خفافهم لا ينزعونها ثلاثا ، فلا دلالة فيه على أنهم كانوا يمسحون أكثر من ثلاث . فإن قيل : في حديث خزيمة بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليها وللمقيم يوم وليلة " ولو استزدناه لزادنا . وفي حديث أبي بن عمارة أنه قال : يا رسول الله امسح على الخفين ؟ قال : " نعم " قال : يوما ؟ قال : " ويومين " قال : وثلاثة ؟ قال : " نعم ، وما شئت " . وفي حديث آخر قال : حتى بلغ سبعا . قيل له : أما حديث خزيمة وما قيل فيه " ولو استزدناه لزادنا " فإنما هو ظن من الراوي ، والظن لا يغني من الحق شيئا . وأما حديث أبي بن عمارة ، فقد قيل إنه ليس بالقوي ، وقد اختلف في سنده ، ولو ثبت كان قوله : " وما شئت " على أنه يمسح بالثلاث ما شاء ، وغير جائز الاعتراض على أخبار التوقيت بمثل هذه الأخبار الشاذة المحتملة للمعاني مع استفاضة الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتوقيت . مطلب : لاحظ للنظر مع الأثر فإن قيل : لما جاز المسح وجب أن يكون غير موقت كمسح الرأس . قيل له : لا