الجصاص

439

أحكام القرآن

حظ للنظر مع الأثر ، فإن كانت أخبار التوقيت ثابتة فالنظر معها ساقط ، وإن كانت غير ثابتة فالكلام حينئذ ينبغي أن يكون في إثباتها ، وقد ثبت التوقيت بالأخبار المستفيضة من حيث لا يمكن دفعها . وأيضا فإن الفرق بينهما ظاهر من طريق النظر ، وهو أن مسح الرأس هو المفروض في نفسه وليس ببدل عن غيره ، والمسح على الخفين يدل عن الغسل مع إمكانه من غير ضرورة ، فلم يجز إثباته بدلا إلا في المقدار الذي ورد به التوقيت . مطلب : المسح على الجبيرة مستحب عند أبي حنيفة فإن قيل : قد جاز المسح على الجبائر بغير توقيت وهو بدل عن الغسل . قيل له : أما على مذهب أبي حنيفة فهذا السؤال ساقط ، لأنه لا يوجب المسح على الجبائر ، وهو عنده مستحب تركه لا يضر . وعلى قول أبي يوسف ومحمد أيضا لا يلزم ، لأنه إنما يفعله عند الضرورة كالتيمم والمسح على الخفين جائز بغير ضرورة ، فلذلك اختلفا . فإن قيل : ما أنكرت أن يكون جواز المسح مقصورا على السفر لأن الأخبار وردت فيه ، وأن لا يجوز في الحضر لما روي أن عائشة سئلت عن ذلك فقالت : " سلوا عليا فإنه كان معه في أسفاره " ، وهذا يدل على أنه لم يمسح في الحضر ، لأن مثله لا يخفى على عائشة ؟ قيل له : يحتمل أن تكون سئلت عن توقيت المسح للمسافر فأحالت به على علي رضي الله عنه . وأيضا فإن عائشة أحد من روى توقيت المسح للمسافر والمقيم جميعا . وأيضا فإن الأخبار التي فيها توقيت مسح المسافر فيها توقيته للمقيم ، فإن ثبت للمسافر ثبت للمقيم . فإن قيل : قد تواترت الأخبار بغسله في الحضر وقوله : " ويل للعراقيب من النار " . قيل له : إنما ذلك في حال ظهور الرجلين . فإن قيل : جائز أن يختص حال السفر بالتخفيف دون حال الحضر كالقصر والتيمم والإفطار . قيل له : لم نبح المسح للمقيم ولا للمسافر قياسا ، وإنما أبحناه بالآثار ، وهي متساوية فيما يقتضيه من المسح في السفر والحضر ، فلا معنى للمقايسة . واختلف الفقهاء أيضا في المسح من وجه آخر ، فقال أصحابنا : " إذا غسل رجليه ولبس خفيه ثم أكمل الطهارة قبل الحدث أجزأه أن يمسح إذا أحدث " ، وهو قول الثوري ، وروي عن مالك مثله . وذكر الطحاوي عن مالك والشافعي : " أنه لا يجزيه إلا أن يلبس خفيه بعد إكمال الطهارة " . ودليل أصحابنا عموم قوله صلى الله عليه وسلم : " يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها " ولم يفرق بين لبسه قبل إكمال الطهارة وبعدها . وروى