الجصاص
400
أحكام القرآن
مستوحش في الأصل ، ولا يجوز أن يكون تعليمه بأن يضرب ليترك الأكل ، فثبت أن تعليمه بألفه لصاحبه وزوال الوحشة منه بأن يدعوه فيجيبه ، فيزول بذلك عن طبعه الأول ويكون ذلك علما لتعليمه . وقوله تعالى : ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) قيل فيه : إن " من " دخلت للتبعيض ، ويكون معنى التبعيض فيه أن بعض ما يمسكه علينا مباح دون جميعه ، وهو الذي يجرحه فيقتله دون ما يقتله بصدمه من غير جراحة . وقال بعضهم : إن " من " ههنا زائدة للتأكيد ، كقوله تعالى : ( يكفر عنكم من سيئاتكم ) [ البقرة : 271 ] . وقال بعض النحويين : هذا خطأ لأنها لا تزاد في الموجب وإنما تزاد في النفي والاستفهام ، وقوله تعالى : ( يكفر عنكم من سيئاتكم ) [ البقرة : 271 ] ابتداء الغاية ، أي : يكفر عنكم أعمالكم التي تحبون سترها عليكم من سيئاتكم ، قال : ويجوز أن يكون بمعنى يكفر عنكم من السيئات ما يجوز تكفيره في الحكمة دون مالا يجوز ، لأنه خطاب عام لسائر المكلفين . مطلب : لاحظ للاجتهاد مع اليقين وقال أبو حنيفة في الكلب إذا أكل من الصيد وقد صاد قبل ذلك صيدا كثيرا ولم يأكل منه : " إن جميع ما تقدم حرام لأنه قد تبين حين أكل أنه لم يكن معلما ، وقد كان الحكم بتعليمه بديا حين ترك الأكل من طريق الاجتهاد وغالب الظن ، والحكم بنفي التعليم عند الأكل من طريق اليقين ، ولاحظ للاجتهاد مع اليقين ، وقد يترك الأكل بديا وهو غير معلم كما يترك سائر السباع فرائسها عند الاصطياد ولا يأكلها ساعة الاصطياد ، فإنما يحكم إذا كثر منه ترك الأكل التعليم من جهة غالب الظن ، فإذا أكل منه بعد ذلك حصل اليقين بنفي التعليم فيحرم ما قد اصطاده قبل ذلك " . وقال أبو يوسف ومحمد : " إذا ترك الأكل ثلاث مرات فهو معلم ، فإن أكل بعد ذلك لم يحرم ما تقدم من صيده ، لأنه جائز أن يكون قد نسي التعليم فلم يحرم ما قد حكم بإباحته بالاحتمال " . وينبغي أن يكون مذهب أبي حنيفة محمولا على أنه أكل في مدة لا يكاد ينسى فيها ، فإن تطاولت المدة في الاصطياد ثم اصطاد فأكل منه - وفي مثل تلك المدة يجوز أن ينسى - فإنه ينبغي أن لا يحرم ما تقدم ، ويكون موضع الخلاف بينه وبين أبي يوسف ومحمد أنهما يعتبران في شرط التعليم ترك الأكل ثلاث مرات ، وأبو حنيفة لا يحده وإنما يعتبر ما يغلب في الظن من حصول التعليم ، فإذا غلب في الظن أنه معلم بترك الأكل ثم أرسل مع قرب المدة فأكل منه ، فهو محكوم بأنه غير معلم فيما ترك أكله ، وإن تطاولت المدة بإرساله بعد ترك الأكل حتى يظن في مثلها نسيان التعليم ، لم يحرم ما