الجصاص
377
أحكام القرآن
" معناه الأشهر الحرم " . وقال عكرمة : " هو ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب " . وجائز أن يكون المراد بقوله : ( ولا الشهر الحرام ) هذه الأشهر كلها ، وجائز أن يكون الذي يقتضيه اللفظ واحد منها . وبقية الشهور معلوم حكمها من جهة دلالة اللفظ ، إذ كان جميعها في حكم واحد منها ، فإذا بين حكم واحد منها فقد دل على حكم الجميع . قوله تعالى : ( ولا الهدي ولا القلائد ) أما الهدي فإنه يقع على كل ما يتقرب به من الذبائح والصدقات ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " المبتكر إلى الجمعة كالمهدى بدنة ، ثم الذي يليه كالمهدى بقرة ، ثم الذي يليه كالمهدى شاة ، ثم الذي يليه كالمهدى دجاجة ، ثم الذي يليه كالمهدى بيضة " ، فسمى الدجاجة والبيضة هديا ، وأراد به الصدقة . وكذلك قال أصحابنا فيمن قال : " ثوبي هذا هدى " أن عليه أن يتصدق به . إلا أن الإطلاق إنما يتناول أحد هذه الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر والغنم إلى الحرم وذبحه فيه ، قال الله تعالى : ( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) [ البقرة : 196 ] ولا خلاف بين السلف والخلف من أهل العلم أن أدناه شاة ، وقال تعالى : ( من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة ) [ المائدة : 95 ] ، وقال : ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) [ البقرة : 196 ] وأقله شاة عند جميع الفقهاء ، فاسم الهدي إذا أطلق يتناول ذبح أحد هذه الأصناف الثلاثة في الحرم . وقوله : ( ولا الهدي ) أراد به النهي عن إحلال الهدي الذي قد جعل للذبح في الحرم ، وإحلاله استباحة لغير ما سيق إليه من القربة ، وفيه دلالة على حظر الانتفاع بالهدي إذا ساقه صاحبه إلى البيت أو أوجبه هديا من جهة نذر أو غيره ، وفيه دلالة على حظر الأكل من الهدايا نذرا كان أو واجبا من إحصار أو جزاء صيد . وظاهره يمنع جواز الأكل من هدى المتعة والقران لشمول الاسم له ، إلا أن الدلالة قد قامت عندنا على جواز الأكل منه . وأما قوله عز وجل : ( ولا القلائد ) فإن معناه : لا تحلوا القلائد . وقد روى في تأويل القلائد وجوه عن السلف ، فقال ابن عباس : " أراد الهدي المقلد " . قال أبو بكر : هذا يدل على أن من الهدي ما يقلد ومنه مالا يقلد ، والذي يقلد الإبل والبقر ، والذي لا يقلد الغنم ، فحظر تعالى إحلال الهدي مقلدا وغير مقلد . وقال مجاهد : " كانوا إذا أحرموا يقلدون أنفسهم والبهائم من لحاء شجر الحرم ، فكان ذلك أمنا لهم ، فحظر الله تعالى استباحة ما هذا وصفه ، وذلك منسوخ في الناس وفي البهائم غير الهدايا " . وروي نحوه عن قتادة في تقليد الناس لحاء شجر الحرم . وقال بعض أهل العلم : " أراد به قلائد الهدي بأن يتصدقوا بها ولا ينتفعوا بها " . وروي عن الحسن أنه قال : " يقلد الهدي