الجصاص
378
أحكام القرآن
بالنعال ، فإذا لم توجد فالجفاف تقور ثم تجعل في أعناقها ثم يتصدق بها " . وقيل : هو صوف يفتل فيجعل في أعناق الهدي . قال أبو بكر : قد دلت الآية على أن تقليد الهدي قربة ، وأنه يتعلق به حكم كونه هديا ، وذلك بأن يقلده ويريد أن يهديه فيصير هديا بذلك وإن لم يوجبه بالقول ، فمتى وجد على هذه الصفة فقد صار هديا لا تجوز استباحته والانتفاع به إلا بأن يذبحه ويتصدق به . وقد دل أيضا على أن قلائد الهدي يجب أن يتصدق بها لاحتمال اللفظ لها ، وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في البدن التي نحر بعضها بمكة وأمر عليا بنحر بعضها ، وقال له : " تصدق بجلالها وخطمها ولا تعط الجزار منها شيئا فإنا نعطيه من عندنا " . وذلك دليل على أنه لا يجوز ركوب الهدي ولا حلبه ولا الانتفاع بلبنه ، لأن قوله : ( ولا الهدي ولا القلائد ) قد تضمن ذلك كله . وقد ذكر الله القلائد في غير هذا الموضع بما دل به على القربة فيها وتعلق الأحكام بها ، وهو قوله تعالى : ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ) [ المائدة : 97 ] فلولا ما تعلق بالهدي والقلائد من الحرمات والحقوق التي هي لله تعالى كتعلقها بالشهر الحرام وبالكعبة لما ضمها إليهما عند الإخبار عما فيها من المنافع وصلاح الناس وقوامهم . وروى الحكم عن مجاهد قال : لم تنسخ من المائدة إلا هاتان الآيتان : ( لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ) [ التوبة : 5 ] نسختها : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) [ التوبة : 5 ] ، ( فإن جاؤوك فأحكم بينهم ) [ المائدة : 42 ] الآية نسختها : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) [ المائدة : 49 ] . قال أبو بكر : يريد به نسخ تحريم القتال في الشهر الحرام ونسخ القلائد التي كانوا يقلدون به أنفسهم وبهائمهم من لحاء شجر الحرم ليأمنوا به ، ولا يجوز أن يريد نسخ قلائد الهدي لأن ذلك حكم ثابت بالنقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين بعدهم . وروى مالك بن مغول عن عطاء في قوله تعالى : ( ولا القلائد ) قال : كانوا يقلدون لحاء شجر الحرم يأمنون به إذا خرجوا ، فنزلت : ( لا تحلوا شعائر الله ) قال أبو بكر : يجوز أن يكون حظر الله انتهاك حرمة من يفعل ذلك على ما كان عليه أهل الجاهلية ، لأن الناس كانوا مقرين بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم على ما كانوا عليه من الأمور التي لا يحظرها العقل ، إلى أن نسخ الله منها ما شاء فنهى الله عن استحلال حرمة من تقلد بلحاء شجر